سيريا بزنسس

  دخول أو تسجيل

 

 

 
سيريا بزنسس سياحة
videovoz
 
القائمة الرئيسية

 
منتدى سيريا بزنسس

لا تأبهوا لأنين الدولار ..
أخر رد زائر

المباني الذكية ماهي؟ وما الضرورات الداعية إليها ..
أخر رد زائر

أزمة اليورو تنقل العالم إلى نظام متعدد العملات
أخر رد زائر

محور تركيا - البرازيل والدور العربي الغائب ..
أخر رد زائر

يجب أن نكفّ عن التسلّق فوق الآخرين . إيكولوجيتهم وإيكولوجيت
أخر رد زائر

الأسد يصدر قانوناً يتعلق بحقوق العمال 1
أخر رد زائر

تأملات في أوضاع العرب ومستقبلهم ..
أخر رد زائر

إصلاح النظام المالي يتطلب التفكير بعقلية عالمية
أخر رد زائر

الاقتصاد العالمي يكافح للإفلات من قبضة الركود
أخر رد زائر

نافذة على قطاعي ألنفط وألغاز لدولة قطر
أخر رد زائر

 
 
بورصات عربية
Nova pagina 2
البورصة السعودية
ملخص سوق الأسهم السعودية
عرض جميع الأسهم
المؤشرات
سوق دبي المالي
رسوم التداول و التسوية
الاسعار الفورية
نماذج السوق
بورصة البحرين
الاسعار الفورية
ملخص التداول
المؤشرات
 ابو ظبي للاوراق المالية
الاسعارالفورية
التداول
اداء السوق
مسقط للاوراق المالية
مؤشر سوق مسقط
التقارير المالية
 الكويت للاوراق المالية
الاسعار الفورية
مؤشر السوق
أوقات التداول
الدوحة للاوراق المالية
الاسعار الفورية
مؤشرات مالية
مطبوعات السوق
متابعة السوق
أهم المؤشرات
]
 
مرسال الأعضاء

تستطيع إرسال الرسائل الفورية إلى الأعضاء. تفضيل بالتسجيل من هنا. مرحبا بك.
 
 
 
أخبار سوريا المحلية
    

 
مطار دمشق الدولي
Nova pagina 3

حركة المطارات

 
دليلك لإقامة عمل.سورية
 
بحر من المعلومات
Nova pagina 1
syriabusiness :: عرض الموضوع - الانهيار في 2008 باختصار: بيع المستثمر سهما لا يملكه
Forum Index
Welcome ( دخول )

الملف الشخصي | س و ج | بحث | قائمة الأعضاء | مجموعات الأعضاء
الانهيار في 2008 باختصار: بيع المستثمر سهما لا يملكه

 
كتابة موضوع جديد   الرد على الموضوع    syriabusiness قائمة المنتديات -> المنتدى الأقتصادي
عرض الموضوع السابق :: عرض الموضوع التالي  
الكاتب رسالة
جورج سوروس
زائر





ردأرسل في: السبت يناير 31, 2009 12:41 pm    عنوان الموضوع: الانهيار في 2008 باختصار: بيع المستثمر سهما لا يملكه رد مع تعقيب

منذ ثلاثينيات القرن الـ 20 كانت السلطات تسارع إلى الإنقاذ كلما وصل العالم إلى حافة الانهيار المالي. وهذا ما توقعت حدوثه عام 2008، إلا أنه لم يحدث، ففي 15 من أيلول (سبتمبر) 2008، سمحت السلطات بانهيار مؤسسة ليمان براذرز. وفي غضون أيام كان النظام المالي بالكامل يعاني حالة أشبه بالسكتة القلبية، وكان لا بد من توصيله بمعدات اصطناعية لدعم الحياة. وكان الأثر المترتب على ذلك بالنسبة للاقتصاد العالمي يعادل انهيار النظام المصرفي أثناء فترة الكساد الأعظم (الأزمة الاقتصادية العظمى أثناء ثلاثينيات القرن الـ 20)، ومع ذلك فإن العالم لم يستشعر بعد الأثر الكامل لهذه الصدمة.
رغم أن حدة الأزمة المالية تجاوزت كل توقعاتي، إلا أنني أدركت منذ البداية أننا نتعامل مع أمر أعظم كثيراً من أزمة الرهن العقاري الثانوي أو فقاعة الإسكان: حيث بلغنا نقطة الانقلاب أو التحول في عملية التوسع الائتماني التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية ثم تحولت إلى فقاعة هائلة الحجم أثناء ثمانينيات القرن الـ 20.
الحقيقة أن إدراك هذه النقطة يشكل شرطاً أساسياً لفهم ما نحن فيه الآن والتعرف على السياسات التي ينبغي علينا أن نتبناها.

الأثر المترتب على انهيار "ليمان براذرز"

كان إفلاس "ليمان براذرز" بمثابة التغيير لقواعد اللعبة، وكانت العواقب مأساوية، فقد ارتفعت أسعار وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان (أحد مشتقات الائتمان) إلى عنان السماء، وكانت مؤسسة أميركان إنترناشيونال جروب AIG الحائزة حصة ضخمة من البيع المكشوف في هذه الوثائق تواجه خطر التوقف عن السداد. في اليوم التالي اضطر هنري بولسون وزير خزانة الولايات المتحدة في حكومة بوش التي انتهت ولايتها إلى مناقضة نفسه والمسارعة إلى إنقاذ مؤسسة أميركان إنترناشيونال جروب، ولكن الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد من السوء، فقد كانت مؤسسة ليمان براذرز واحدة من أهم صناع سوق الأوراق التجارية والمصدرين لهذه الأوراق. وكانت أسهم "ليمان" مملوكة لأحد صناديق سوق المال المستقلة، ولأن مؤسسة ليمان لم تكن تمتلك احتياطيات ضخمة تلجأ إليها وقت الحاجة، فقد بدأت في التوقف عن معاودة شراء أسهمها بسعر الإصدار.

لقد أدى هذا إلى إثارة حالة من الذعر بين المودعين، وبحلول 18 من أيلول (سبتمبر) كان التزاحم على صناديق سوق المال لاسترداد الودائع على قدم وساق. ثم انتشر الذعر إلى سوق الأوراق المالية، واضطر بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى تقديم الضمانات لكل صناديق سوق المال، فتوقف البيع على المكشوف للأوراق المالية، وأعلنت وزارة الخزانة عن خطة إنقاذ للنظام المصرفي بلغت قيمتها 700 مليار دولار. لقد نتج عن ذلك بعض الارتياح المؤقت في سوق الأوراق المالية،

ولكن حزمة الإنقاذ التي اعتمدها بولسون (الـ 700 مليار دولار) لم يتم التخطيط لها على النحو اللائق، أو بعبارة أصح، لم يتم التخطيط لها على الإطلاق.

العجيب في الأمر أن وزير الخزانة لم يكن مستعداً ببساطة للتعامل مع العواقب المترتبة على قراره بالسماح بانهيار "ليمان براذرز". وحين انهار النظام المالي، هرِع إلى الكونجرس دون أي فكرة واضحة عن الكيفية التي يعتزم بها استخدام الأموال التي طلبها. ولم يكن لديه سوى فكرة بدائية عن ترتيب شيء أشبه بالشركة الحكومية التي أنشئت لإدارة الأصول Resolution Trust Corporation أثناء فترة الثمانينيات، وهي الشركة التي استحوذت على أصول مؤسسات الادخار والإقراض المفلسة ثم تخلصت منها في النهاية.

وعلى هذا فقد طالب بولسون بالتكتم التام، بما في ذلك الحصانة ضد أي طعن قانوني. ولم يكن من العجيب أن يرفض الكونجرس تلبية ذلك الطلب، فقد تعالت الأصوات ـ منها صوتي ـ التي احتجت بأن الوجه الأفضل لإنفاق المال سيكون في ضخ حصص الملكية إلى البنوك بدلاً من انتزاع الأصول السامة من بين أيديها. وفي النهاية أدرك بولسون الفكرة، إلا أنه لم ينفذها على النحو اللائق.

واستمرت الأوضاع في النظام المالي في التدهور، فأشرفت سوق الأوراق التجارية على الإغلاق، وارتفع سعر إنتربنك لندن LIBOR، واتسعت الفجوة بين أسعار التبادل، وارتفعت أسعار وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان إلى عنان السماء، وعجزت البنوك الاستثمارية وغيرها من المؤسسات المالية عن الحصول على قروض الائتمان لليلة واحدة أو قروض الائتمان قصيرة الأجل بسبب عدم قدرتها على الاستعانة ببنك الاحتياطي الفيدرالي مباشرة. وبات لزاماً على بنك الاحتياطي الفيدرالي أن يمد حبال الإنقاذ الواحد بعد الآخر. وفي هذا الجو عقد صندوق النقد الدولي اجتماعه السنوي في واشنطن بداية من 11 من تشرين الأول (أكتوبر).

لقد غادر زعماء الاتحاد الأوروبي الاجتماع في وقت مبكر ثم التقوا في اليوم التالي في باريس، حيث قرروا توفير الضمانات الفعلية اللازمة لمنع انهيار أي مؤسسة مالية أوروبية، ولكنهم عجزوا عن الاتفاق على القيام بهذه المهمة على نطاق أوروبا بالكامل، لذا فقد وضعت كل دولة ترتيباتها الخاصة، وسرعان ما حذت الولايات المتحدة حذو الاتحاد الأوروبي.

كان لهذه الترتيبات أثر جانبي سلبي غير مقصود: فقد تسببت في فرض ضغوط إضافية على البلدان التي كانت غير قادرة على توفير ضمانات مماثلة تستطيع مؤسساتها المالية أن تعول عليها. وكانت آيسلندا قد بلغت مرحلة الانهيار بالفعل. وأصبح أضخم بنوك المجر عرضة لهجمات المضاربين، وسجلت أسواق العملات والسندات الحكومية في المجر وغيرها من بلدان أوروبا الشرقية هبوطاً حاداً. وحدث الشيء نفسه في البرازيل والمكسيك وأسواق النمور الآسيوية، ولدرجة أقل في تركيا، جنوب إفريقيا، الصين، الهند، أستراليا، ونيوزيلندا، وهبط اليورو وارتفع الين إلى عنان السماء، واكتسب الدولار بعض القوة استناداً إلى ثِقَله التجاري، وجفت مصادر الائتمان في بلدان الأسواق الثانوية، وأسقطت تحركات العملة المتقلبة بعض الضحايا. في البرازيل أصبح كبار المصدرين معتادين على بيع الخيارات في مقابل عملتهم المتواصلة الارتفاع، والآن أفلس هؤلاء المصدرون، الأمر الذي أدى إلى التعجيل بحدوث انهيار محلي مصغر.

كان لكل هذه الاضطرابات مجتمعة تأثير هائل في سلوك ومواقف المستهلكين والشركات والمؤسسات المالية في مختلف أنحاء العالم. كان النظام المالي في أزمة منذ آب (أغسطس) 2007، ولكن جماهير الناس لم تكد تلحظ ذلك، واستمر العمل كالمعتاد باستثناء بعض الحالات، ولكن كل ذلك تغير في الأسابيع التي تلت 15 من أيلول (سبتمبر) 2008، فغاص الاقتصاد العالمي كالحجر في الماء. وبات ذلك واضحاً حين بدأت إحصائيات شهري تشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) في الظهور. كان التأثير في الثروات هائلاً، فخسرت صناديق معاشات التقاعد وأوقاف الجامعات والمؤسسات الخيرية بين 20 و40 في المائة من أصولها في غضون بضعة أشهر ـ وكان ذلك قبل الكشف عن فضيحة صندوق وقاء مادوف الذي خسر 50 مليار دولار. ومنذ ذلك الوقت انتشر بين الناس إدراك ذاتي التعزيز أننا أصبحنا في مواجهة حالة عميقة ومطولة من الركود الذي قد يتحول إلى كساد.


مَن يستحق اللوم؟

كانت استجابة بنك الاحتياطي الفيدرالي لهذه الأزمة قوية، فقد سارع إلى تخفيض سعر الفائدة الرئيس إلى الصفر تقريباً في شهر كانون الأول (ديسمبر)، وشرع في تقديم تيسيرات كمية. والآن تستعد إدارة أوباما لتطبيق خطة تحفيز مالية تمتد عامين وتبلغ قيمتها 800 مليار دولار، وغير ذلك من التدابير الجذرية.

كانت الاستجابات الدولية أكثر فتوراً، فقد وافق صندوق النقد الدولي على إنشاء مرفق جديد يسمح لبلدان الأسواق الثانوية التي تتمتع بظروف مالية سليمة باقتراض ما يصل إلى خمسة أمثال حصتها من دون شروط إضافية، ولكن المبالغ كانت ضئيلة، وظلت احتمالات وصمة العار قائمة. نتيجة لهذا فقد ظل المرفق الجديد بلا استخدام، وفتح بنك الاحتياطي الفيدرالي خيوط المقايضة مع المكسيك، البرازيل، كوريا، وسنغافورة، ولكن جان كلود تريشيه، رئيس البنك المركزي الأوروبي، شَنَّ هجوماً حاداً على انعدام المسؤولية المالية، وظلت ألمانيا على معارضتها الصلبة للإفراط في خلق الأموال التي قد ترسي الأساس للضغوط التضخمية في المستقبل. وبفعل هذه المواقف المتباينة أصبح التحرك الدولي المنسق أمراً بالغ الصعوبة، بل وربما أدت تلك المواقف أيضاً إلى تقويض وحدة اليورو وإحداث تقلبات كبيرة في أسعار الصرف.

حين نستعرض الأمر الآن فسنجد أن إفلاس "ليمان براذرز" كان أشبه بانهيار البنوك في ثلاثينيات القرن الـ 20، ولكن كيف سُمح لأمر كهذا بالحدوث؟ إن المسؤولية تقع على عاتق السلطات المالية، وأولها وزارة الخزانة وبنك الاحتياطي الفيدرالي، التي زعمت أنها كانت تفتقر إلى السلطة القانونية اللازمة للتدخل، ولكنها في الحقيقة حجة واهية، ففي الطوارئ كان بوسع هذه السلطات، بل كان ينبغي عليها، أن تفعل كل ما هو ضروري لمنع النظام من الانهيار، كما فعلت في مناسبات أخرى. الحقيقة الواضحة إذن أنها تعمدت السماح لذلك بالحدوث، ولكن لماذا؟

أريد هنا أن أميز بين بولسون وبين رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي بن برنانكي. كان بولسون مسؤولاً، لأن "ليمان براذرز"، وهو بنك استثماري، لم يكن واقعاً ضمن نطاق اختصاص بنك الاحتياطي الفيدرالي. في اعتقادي أن بولسون كان كارهاً لفكرة اللجوء إلى استخدام أموال دافعي الضرائب، لأنه كان يدرك أن ذلك لا بد أن تترتب عليه زيادة سيطرة الحكومة. بما أنه من المتعصبين للسوق فقد كان على اقتناع تام بأن الأساليب والأدوات نفسها التي أوقعت السوق في المتاعب من الممكن استخدامها لإخراجها منها. لقد قاده ذلك الاقتناع إلى وضع خطته المجهضة لإنشاء ما أطلق عليه أدوات الاستثمار الخاصة الفائقة للاستحواذ على أدوات الاستثمار الخاصة الفاشلة. وكان يؤيد المبدأ الذي يؤكد أن الأسواق لديها قدرة أعظم على التأقلم مقارنة بأي مشارك فرد. وما دام إفلاس "ليمان براذرز" قد حدث بعد ستة أشهر من أزمة بير شتيرنز، فلا بد أنه تصور أن الأسواق أصبح لديها القدر الكافي من الانتباه اللازم لإعداد العدة للتعامل مع فشل "ليمان براذرز". لهذا السبب لم تكن لديه خطة بديلة حين انهارت الأسواق.

كان بيرنانكي أقل تمسكا بالأيديولوجيات، فبحكم خلفيته الأكاديمية لم يكن مستعداً حين فاجأه انهيار الفقاعة الخارقة، فقد أكد أن فقاعة الإسكان كانت تشكل ظاهرة منفصلة ربما تؤدي إلى خسائر قد تصل إلى 100 مليار دولار، وهي خسارة يمكن استيعابها بسهولة، إلا أنه لم يدرك أن نظرية التوازن كانت معيبة على نحو جوهري، لهذا فلم يكن بوسعه أن يتوقع أن الأساليب والأدوات العديدة، القائمة على افتراض زائف بأن الأسعار تنحرف عن التوازن النظري على نحو عشوائي، ستسقط الواحد تلو الآخر في غضون مدة زمنية قصيرة، ولكنه كان سريع التعلم، فحين أدرك ما كان يحدث من حوله سارع إلى تخفيض أسعار الفائدة بصورة جذرية، في شهر كانون الثاني (يناير) 2008 أولاً، ثم مرة أخرى في كانون الأول (ديسمبر)، ولكن من المؤسف أن عملية التعلم لديه بدأت متأخرة أكثر مما ينبغي، وكانت متخلفة دوماً عن الأحداث المتسارعة، وبهذا خرج الموقف عن نطاق السيطرة.

مشتقات سامة

على مستوى أكثر عمقاً، لعبت وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان دوراً حاسماً في مصرع "ليمان براذرز". الحقيقة أن تفسيري للأمر مثير للجدال، والخطوات الثلاث التي تتألف منها حجتي ستأخذ القارئ إلى ميادين غير مألوفة. أولاً، هناك قدر من التباين في عامل المجازفة: الذي يتلخص في نسبة المكافأة بين الحيازة طويلة الأجل أو الحيازة قصيرة الأجل في سوق الأوراق المالية. (الحيازة طويلة الأجل تعني امتلاك سهم ما، والحيازة قصيرة الأجل تعني بيع المرء لسهم لا يمتلكه). تحمل الحيازة طويلة الأجل في طياتها احتمالات غير محدودة في الاتجاه الصاعد، ولكنها عرضة للجانب الهابط بصورة محدودة. أما الحيازة قصيرة الأجل فهي على العكس من ذلك تماماً. وهنا يتجلى التباين على النحو التالي: تؤدي الخسارة في حالة الحيازة طويلة الأجل إلى تقليص تعرض الحائز للمجازفة، بينما تؤدي الخسارة في حالة الحيازة قصيرة الأجل إلى تعظيم عامل المجازفة. نتيجة لهذا، فبوسع الحائز أن يكون أكثر صبراً إذا كانت حيازته طويلة الأجل ليست سليمة، على النقيض تماماً من صاحب الحيازة قصيرة الأجل غير السليمة. ويخدم التباين هنا كوسيلة لتثبيط رغبة الحائز في بيع ما لا يمتلكه من الأسهم (البيع على المكشوف).

ثانياً، توفر سوق وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان وسيلة مريحة لبيع السندات على المكشوف، مع عمل نسبة المجازفة إلى المكافأة الناتجة عن التباين في الاتجاه المعاكس: بيع السندات على المكشوف بشراء وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان يؤدي إلى مجازفة محدودة، ولكن احتمالات ربح غير محدودة، في حين يعرض بيع وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان أرباحاً محدودة، ولكنه ينطوي في الوقت نفسه على قدر غير محدود من المجازفة. هذا النوع من التباين يشجع المضاربين على جانب البيع على المكشوف، وهو ما يفرض بالتالي ضغوطاً نحو الهبوط على السندات المعنية. وحين يكون من المتوقع حدوث تطور معاكس، فإن التأثير السلبي قد يصبح مربكاً إلى حد كبير، وذلك لأن تسعير وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان يميل إلى اعتبارها نوعاً من التعهد وليس باعتبارها خيارات: والناس يشترونها ليس لأنهم يتوقعون عجزاً عن السداد في النهاية، ولكن لأنهم يتوقعون ارتفاع قيمة وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان أثناء مدة العقد. ولا يمكن لأي نوع من الشراء في سوق ثم البيع في أخرى بغرض الاستفادة من فرق الأسعار أن يصحح من حالات إساءة التسعير. ونستطيع أن نرى هذا بوضوح في حالة سندات حكومة الولايات المتحدة وسندات حكومة المملكة المتحدة: فالسعر الفعلي للسندات أعلى كثيراً من السعر الذي توحي به وثائق مقايضة العجز عن السداد. هذا النوع من التباين من الصعب إصلاحه بالاستعانة بفرضية كفاءة السوق.

ثالثاً، تلعب ردود الفعل المنعكسة اللاإرادية دورها هنا، وهو ما يعني أن إساءة تسعير الأدوات المالية من الممكن أن تؤثر في العوامل الأساسية التي من المفترض أن تعكسها أسعار السوق. ولن نجد هذه الظاهرة أكثر وضوحاً من حالة المؤسسات المالية، التي تعتمد قدرتها على القيام بعملها إلى حد كبير على الثقة. وهذا يعني أن غارات المضاربين على المؤسسات المالية قادرة على إضفاء صفة الشرعية على نفسها، وهو ما يتناقض بصورة مباشرة مع فرضية كفاءة السوق.

إن وضع هذه الاعتبارات الثلاث معا يقودنا إلى استنتاج مفاده أن تدمير "ليمان براذرز" و"أميركان إنترناشيونال جروب"، وغيرهما من المؤسسات المالية، كان بسبب غارات المضاربة، حيث عمل بيع الأسهم على المكشوف وشراء وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان بصورة مشتركة على تضخيم وتعزيز كل منهما لتأثير الآخر. وكان بيع الأسهم على المكشوف بلا حدود ممكناً بسبب إلغاء القاعدة التي كانت تمنع غارات المضاربة من خلال عدم السماح بالبيع على المكشوف إلا في حالة اتجاه الأسعار نحو الصعود uptick rule، بينما عملت سوق وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان على تيسير البيع غير المحدود للسندات. وكانت النتيجة تلك التركيبة الفتاكة التي عجزت مؤسسة أميركان إنترناشيونال جروب عن فهمها، رغم أنها واحدة من أكثر شركات التأمين نجاحاً في العالم، إذ إن عملها كان يتلخص في بيع وثائق التأمين، وحين رأت خطراً حقيقياً متمثلاً في إساءة التسعير سارعت إلى التأمين عليها على اعتقاد منها أن تنويع المجازفة من شأنه أن يقلصها. وكانت تتوقع جمع ثروة ضخمة على الأمد البعيد، ولكنها أصبحت على وشك الانهيار في الأمد القصير.


تساؤلات مثيرة للاهتمام

إن التفسير الذي قدمته لانهيار 2008 يطرح بعض التساؤلات المهمة.

ماذا كان ليحدث لو كان ذلك الشكل الفاضح من أشكال البيع على المكشوف والمضاربة في سوق وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان محظوراً طبقاً للقانون؟

ربما كان تفادي إفلاس "ليمان براذرز" الأمر الممكن، ولكن ماذا كان يحدث للفقاعة الخارقة؟ لا يسع المرء إلا الظن. وتخميني هو أن الفقاعة الخارقة كانت تنكمش على نحو أبطأ كثيراً، وبنتائج أقل مأساوية، ولكن العواقب المترتبة على ذلك كانت لتستمر لمدة أطول. ويصبح الأمر أشبه بتجربة اليابان مما يحدث الآن.


ما الدور المناسب للبيع على المكشوف؟

لا شك أن البيع على المكشوف يمنح الأسواق قدراً أعظم من العمق والاستمرارية، الأمر الذي يجعلها أكثر مرونة، ولكن البيع على المكشوف لا يخلو من المخاطر. وغارات المضاربة من الممكن أن تضفي على نفسها صفة الشرعية، ولابد من إبقائها تحت السيطرة. ولو كانت فرضية كفاءة السوق سليمة لكان هناك من الأسباب الوجيهة ما يمنع فرض القيود. الحقيقة أن قاعدة السماح بالبيع على المكشوف في حالة اتجاه الأسعار نحو الصعود فقط، أو حين يكون البيع على المكشوف مغطى بأسهم مقترضة، تشكل مقياساً عملياً مفيداً ويبدو قادراً على العمل دون أي مبررات نظرية قاطعة.


هل تخدم وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان غرضاً مفيدا؟

هنا، أتبنى وجهة نظر أكثر تطرفاً من أغلب الناس. إن وجهة النظر السائدة تزعم أن وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان لا بد أن يتم تداولها في أسواق البورصة النظامية. وأنا أعتقد أنها أدوات سامة ولا ينبغي استخدامها إلا بوصفة طبية، فمن الممكن السماح باستخدامها لضمان السندات الفعلية، ولكن نظراً لطبيعتها غير المتماثلة، فلا ينبغي المضاربة بها ضد البلدان أو الشركات، ففي هذه اللحظة بالذات يتسبب تداول وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان في خلق المتاعب لليورو.

إن عديدا من بلدان منطقة اليورو أصبحت مثقلة بالديون وتواجه احتمالات تخفيض تصنيفها. ويفرض شراء وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان ضغوطاً إضافية على تكاليف اقتراض هذه البلدان ويحد من الفوائد المترتبة على عضوية اليورو، الأمر الذي يلقي ظلالا من الشك على قدرة العملة الموحدة على الاستمرار. وهناك نقاط ضعف قائمة بذاتها في اليورو، وتتفاقم نقاط الضعف هذه بفعل سوق مقايضة العجز عن سداد الائتمان على نحو ذاتي التعزيز.

إن وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان ليست الأداة المالية الاصطناعية الوحيدة التي أثبتت سميتها، فالشيء نفسه ينطبق على تشريح التزامات الدين الجانبية CDOs، وعلى عقود التأمين على محافظ الاستثمار التي تسببت في انهيار سوق البورصة عام 1987، وهذا على سبيل المثال لا الحصر للأدوات التي تسببت في قدر عظيم من الضرر. إن إصدار الأسهم يخضع للتنظيم الدقيق من جانب لجنة مراقبة عمليات البورصة، لماذا إذن لا يخضع إصدار المشتقات وغيرها من الأدوات الاصطناعية للرقابة نفسها؟ إن الدور الذي تلعبه ردود الفعل الانعكاسية وحالات عدم التماثل التي عرضتها لا بد أن يؤدي إلى التعجيل برفض فرضية كفاءة السوق وإعادة النظر في النظام الرقابي بالكامل.

الآن بعد أن رأينا كيف كان التأثير الذي خلفه إفلاس "ليمان براذرز" في سلوك المستهلكين والشركات مماثلاً للتأثير الذي خلفه إفلاس البنوك أثناء فترة ثلاثينيات القرن الـ 20، فلا بد أن ندرك أن المشكلات التي تواجه إدارة أوباما هي في الواقع أعظم من تلك التي واجهت الرئيس روزفلت. عام 1929 بلغ إجمالي القروض غير المسددة 160 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ثم ارتفع إلى 260 في المائة عام 1932، وذلك بسبب تراكم الديون وانحدار الناتج المحلي الإجمالي. أما الآن فقد بدأ انهيار 2008 حين كان إجمالي القروض غير المسددة يعادل 365 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المحتم أن ترتفع النسبة إلى 500 في المائة. وهذه الحسابات لا تأخذ في الحسبان انتشار استخدام المشتقات، وهو العامل الذي كان غائباً أثناء الثلاثينيات، ولكنه الآن يعمل على تعقيد الوضع الحالي بصورة هائلة، خاصة في سوق الإسكان. على الجانب الإيجابي، فنحن لدينا الآن تجربة الثلاثينيات والوصفات التي قدمها جون ماينارد كينز لنبني عليها.

مع وضع هذه الحقيقة في الاعتبار، فسأقوم في الحلقة التالية بطرح الخطوط العريضة للسياسات التي يتعين على إدارة أوباما في رأيي أن تتبناها، ثم أقوم بعد ذلك بتقييم ما قد يحمله لنا المستقبل.
إلى الأعلى
جورج سوروس
زائر





ردأرسل في: الثلاثاء فبراير 03, 2009 3:46 am    عنوان الموضوع: كيف فاقم بوش الأزمة بتدخله العشوائي وخطته المثقوبة؟ رد مع تعقيب

حين انفجرت الفقاعات المالية أدى الانكماش الائتماني الناتج عن ذلك إلى التسييل القسري للأصول، والانكماش، وقد يبلغ تدمير الثروات الناجم عن ذلك أبعاداً مفجعة. وفي هذه البيئة الانكماشية فقد يؤدي ثِـقَل الديون المتراكمة إلى إغراق النظام المصرفي ودفع الاقتصاد إلى الكساد. وهذا ما يتعين علينا أن نمنعه بأي ثمن.

من بين الطرق المقترحة لتحقيق هذه الغاية توفير المال للتعويض عن انكماش الائتمان، وإعادة تمويل النظام المصرفي، وإلغاء أو تخفيف الديون المتراكمة على نحو منظم. ولتحقيق أفضل النتائج فلا بد من الجمع بين هذه العمليات الثلاث، وهو ما يتطلب اتخاذ تدابير سياسية متطرفة وغير تقليدية. وفي حالة نجاح هذه التدابير وعودة الائتمان إلى التوسع، فسيحل شبح التضخم في محل الضغوط الانكماشية، وسيكون لزاماً على السلطات أن تسحب المدد الفائض من الأموال من الاقتصاد بالسرعة نفسها، التي ضخت بها ذلك المدد إليه.

ومن بين هاتين العمليتين، فمن المرجح أن تكون الثانية أصعب من الأولى، على المستويين التقني والسياسي، ولكن البديل ـ الكساد العالمي والفوضى ـ ليس بالبديل المقبول. وليس هناك من السبل ما قد يسمح لنا بمنع موقف أبعد ما يكون عن التوازن ـ الانكماش والكساد على مستوى العالم ـ إلا بالعمل على حَث نقيض ذلك الموقف ثم الحد منه.

الواقع أن حجم المشكلة أضخم حتى من أزمة ثلاثينيات القرن العشرين، ولا شك أن استجابة إدارة بوش العشوائية والتعسفية أدت إلى تفاقم الموقف فتعرضت جماهير الناس ومجتمع الأعمال لصدمة شديدة في أعقاب عجز "ليمان براذرز" عن السداد، وسقط الاقتصاد من أعلى الهاوية. ولسوف يُـظهِر الربعان المقبلان من هذا العام تدهوراً سريعاً. وما يحدث في الولايات المتحدة سيستمر في ترك أثر عميق في الاقتصاد العالمي.

ولمنع تفاقم الأمور سوءاً، يتعين على إدارة الرئيس باراك أوباما أن تتبنى خطة سياسية جذرية شاملة، ولا بد أن تشتمل هذه الخطة على خمسة عناصر رئيسية:

ـ توفير الحافز المالي.

ـ إصلاح نظام الرهن العقاري.

ـ إعادة تمويل البنوك.

ـ تبني سياسة إبداعية في التعامل مع قضية الطاقة.

ـ إصلاح النظام المالي الدولي.

لقد قطع برنامج التحفيز المالي شوطاً طويلاً بالفعل، لكن تنفيذه سيستغرق وقتاً طويلاً ولن يخدم إلا كوسيلة لتخفيف دورة الانحدار. وفي اعتقادي أن إصلاح نظام الرهن العقاري وإعادة تمويل البنوك من بين الأمور التي لا يمكن الاستغناء عنها لتحويل اتجاه الاقتصاد.


حد أدنى لأسعار المساكن

إن الهدف من إصلاح نظام الرهن العقاري يتلخص في تفادي هبوط أسعار المساكن إلى حد مفرط، وذلك بالحد من عمليات حبس الرهن قدر الإمكان وتقديم الحوافز للمشترين. وهذا ضروري من أجل تقليص الضغوط الانكماشية، وإعادة الاستقرار إلى ميزانيات البنوك، وتشجيعها على استئناف الإقراض. ويتحقق هذا الهدف على أفضل نحو من خلال تعديل قروض الرهن العقاري بحيث لا يتجاوز مبلغ القرض الأساسي القيمة الحقيقية للمسكن.

الآن يحتدم النقاش حول ما إذا كان ينبغي لمثل هذه التعديلات أن تتم على نحو تدريجي طوعي وأن توجه نحو المقترضين المتأخرين عن السداد، أو أن تتم بصورة شاملة وأن تُـفرَض على الجهات المقرضة التي لا توافق على التعديلات.

الواقع أنني أؤيد التوجه الشامل، ذلك لأن التعديلات التدريجية ليس من الممكن أن تصل إلى عدد كاف من الأسر للحد من عمليات حبس الرهن بصورة ملموسة، فضلاً عن ذلك فإن أصحاب الشرائح الدنيا من التزامات الدين الجانبية ليس لديهم من الأسباب ما يحملهم على الموافقة الطوعية على التعديلات، ذلك لأنهم قد يتعرضون للخراب بسببها.

من بين المزايا الإضافية لهذا التوجه أنه من شأنه أن يسمح بالإصلاح الشامل لنظام الرهن العقاري في الولايات المتحدة، الذي ثبت بالدليل القاطع أنه قاصر إلى حد كبير. وأنا أؤيد تبني النظام المتبع في الدنمارك، مع إدخال التعديلات المناسبة، وهو النظام الذي أثبت جدارته منذ العمل به لأول مرة بعد هدم وتخريب كوبنهاجن في عام 1793 فعلى النقيض من اعتماد أمريكا على الكيانات التي ترعاها الحكومة ـ وبالتحديد فاني ماي وفريدي ماك ـ تستخدم الدنمارك نظاماً مفتوحاً، حيث يشارك كل منشئي الرهن العقاري على قدم المساواة ويعملون من دون ضمانات حكومية.

إن السمة المميزة لسندات الرهن العقاري الدنماركية هي أنها متطابقة مع قروض الرهن العقاري الأساسية وقابلة للتبادل معها. ويستطيع أصحاب المنازل فك الرهن في أي وقت بشراء سندات الرهن العقاري المعادلة في السوق وإبدالها بالرهن العقاري. وبما أن أسعار الفائدة وأسعار المساكن تتحرك عادة في الاتجاه نفسه، فإن هذه السمة ـ التي يطلق عليها مبدأ التوازن POB ـ من شأنها أن تحد من المجازفة المتمثلة في تحول القيمة الصافية للعقار إلى قيمة سلبية. وهناك يخضع منشئو قروض الرهن العقاري للتنظيم الصارم ويتحملون المجازفة المرتبطة بالائتمان، ولهذا السبب يتم تقدير السندات عادة بأسعار مرتفعة على الرغم من غياب الضمانات الرسمية، وكثيراً ما يكون عائدها أقل من عائد السندات الحكومية.

من المفترض أن تعمل خطة تعديل الرهن العقاري الشاملة على إحلال عقود رهن عقاري جديدة، استناداً إلى مبدأ التوازن، في محل عقود الرهن العقاري التي تمر بموقف عصيب الآن طبقاً لنموذج التقييم الآلي. ومن المفترض أن يتم تخفيض مبلغ القرض الأساسي حتى يتماشى مع قيمة السوق الحالية على النحو الذي يحدده نموذج التقييم الآلي، مع تحمل الجهات المقرضة لقدرا معقولا من الخسارة (وقدرا أكبر بالنسبة لقروض الرهن العقاري الثانوي). وتتمتع قروض الرهن العقاري الجديدة القائمة على مبدأ التوازن بالضمان من قِبَل وكالة حكومية، ما يعزز من قيمتها. وتتقاضى الوكالة رسوماً مناسبة للتأمين. وحرصاً على المساواة فإن المساكن التي تمتعت بتخفيض الرهن العقاري ستكون خاضعة لشريحة ضريبية أعلى إذا تحقق عنها أي مكاسب رأسمالية. ولمنع حالات الغش فإن هذا الالتزام سوف يظل سارياً في عقد المسكن باعتباره حقاً للحجز عليه. وهذا من شأنه أن يهدئ من روع أصحاب المساكن الذين يستفيدون من الخطة ولكن على نحو غير مباشر من خلال استقرار أسعار المساكن. وبموجب هذه الخطة سوف يخسر أصحاب عقود الرهن العقاري المعدلة بعض المال، ولكن ربما تكون الخسارة أقل كثيراً مما قد يخسرونه من دون خطة التعديل.

من جهة أخرى فإن الوكالات الحكومية، التي ستنشأ عن اندماج الكيانات التي ترعاها الحكومة، لن تشتري أو تبيع عقود الرهن العقاري؛ بل إنها بدلاً من ذلك ستؤجر إدارتها محافظ استثمارها لفِرَق متخصصة يمكن مكافأتها عن تقليصها الخسائر من خلال تعديل الأقساط تبعاً لقدرة أصحاب المساكن على الدفع بدلاً من حبس الرهن. ومن الممكن أن تتم هذه العملية بقدر عظيم من السهولة من خلال سن قانون جديد للإفلاس ينطبق أيضاً على المساكن الرئيسية. وهذا من شأنه أن يسمح بالتعجيل بإجراءات الإفلاس التي تُـفصِّل الأقساط تبعاً لقدرة أصحاب المساكن على الدفع، ومن شأنه أيضاً أن يحل مشكلة الرهن العقاري الثانوي التي قد لا يصلح معها أي حل آخر.

إن تنفيذ هذه التدابير في الوقت نفسه ـ منع تحول مبلغ القرض الأساسي إلى قيمة سلبية بالنسبة لكل عقود الرهن العقاري وتفصيل الأقساط تبعاً لمقدرة أصحاب المساكن على تسديد الأقساط المتأخرة ـ من شأنه أن يؤدي إلى تخفيف، ولكن ليس القضاء على، الضغوط التي تدفع أسعار المساكن نحو الهبوط بسبب حبس الرهن، وذلك لأن الإغاثة سوف تقتصر على المساكن الرئيسة.

أما أسعار الفائدة بالنسبة للمشترين الجدد فسوف تكون مدعومة في البداية من خلال بيع سندات حكومية طويلة الأجل وإتاحة الأموال لمصدري سندات الرهن العقاري، ولكن مصدري السندات سوف يظلون مدينين للوكالة الحكومية عن أول 10 في المائة من مخاطر الائتمان. وسيتقاضى المصدرون رسماً يتم تحديده تبعاً للمنافسة في السوق، نظير تحمل مخاطر الائتمان. وحتى مع ذلك فإن أسعار الفائدة بالنسبة للمشترين الجدد لا بد أن تكون أقل من 5 في المائة. ويستطيع مصدرو السندات إعادة تمويل سندات الرهن العقاري لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي ومن دون خسارة. وفي النهاية يتم تخفيض الدعم تدريجياً وتؤول عملية تحديد أسعار الفائدة للسوق.

ستستوعب الوكالة الحكومية الخسائر الناشئة عن إجراءات الإفلاس، التي ستكون أقل كثيراً من تلك الخسائر الناتجة عن حبس الرهن. أما حوافظ الكيانات التي ترعاها الحكومة، التي لم تصادف النجاح فسوف يتم تسييلها بالتدريج واستيعاب خسائرها المتراكمة في الدين الوطني. في النهاية، وبعد استقرار سوق الإسكان وترسيخ عقود الرهن العقاري القائمة على مبدأ التوازن فإن وظيفة ضمان الرهن العقاري قد تصبح غير ضرورية وبالتالي يصبح من الممكن حل الوكالة.


الأموال في البنك

إن أي خطة لإعادة تمويل البنوك لا بد أن تشمل النظام بالكامل وأن تكون إلزامية، لا عشوائية أو تطوعية، كما كانت في عهد وزير خزانة الولايات المتحدة هنري بولسون. وبعد إعادة التمويل فإن الحد الأدنى من متطلبات رأس المال من الممكن أن ينخفض، ولنقل إلى 6 في المائة، وهذا من شأنه أن يشجع البنوك على الإقراض. وستكون البنوك حريصة على الاستفادة من الهوامش السخية السائدة حالياً. وبهذا يتم تنشيط الاقتصاد من جديد. ومع استحواذ الجميع على قدر ضخم من السيولة وحرصهم الفجائي على تشغيل هذه السيولة، فلسوف يحدث اندفاع فجائي نحو شراء الأصول الأقل سيولة. وعند هذه النقطة يبدأ شبح التضخم في الظهور، فيزاد الحد الأدنى لمتطلبات رأس المال إلى 8 في المائة، ثم أعلى، وهذا من شأنه أن يحد من استخدام الروافع المالية في النظام المصرفي، وهو من الأهداف المرغوبة في الأمد البعيد.

لو تم تنفيذ خطة الإنقاذ التي تبنتها الولايات المتحدة على هذا النحو منذ البداية، لكان من الممكن إعادة تمويل النظام المصرفي باستخدام الـ 700 مليار دولار التي تم تخصيصها، أو ربما بأقل من ذلك. ولكن مما يدعو للأسف أن نصف هذا المبلغ تم إنفاقه بالفعل، كما تدهورت الأمور إلى حد كبير. وما كان من الممكن تنفيذه منذ شهرين لم يعد واقعياً الآن. وهذه هي السمة المميزة للأزمة المالية وغير ذلك من الظروف البعيدة كل البعد عن التوازن: فما يصلح في مرحلة ما من الوقت لا يظل صالحاً لفترة طويلة.

إن القيمة الكاملة لتمويل السوق النظام المصرفي الآن لا تزيد كثيراً على تريليون دولار، وقد تكون الفجوة في موازنات البنوك أضخم. وفي ظل هذه الظروف لا يستطيع المرء أن يعول على استعداد الجمهور للاكتتاب في أسهم البنوك المعرضة للسقوط تحت سيطرة الحكومة. وفي هذه الحالات يتعين على الحكومة أن تلجأ إلى صيغة البنوك الجيدة/ البنوك السيئة: الأصول الضعيفة، وقيمة رأس المال المصدر، ولا بد أن تظل الديون التابعة في البنوك السيئة، ولا بد أن يتدفق ضخ رؤوس الأموال الجديدة إلى البنوك الجيدة. سيخسر حملة الأسهم وحملة الديون التابعة كثيرا من أموالهم أو كل أموالهم، باستثناء الحق في الاكتتاب في البنك الجيد. ومن الممكن ممارسة هذه الحقوق بعد ذلك، وبهذا فقد لا تخضع البنوك الجيدة لسيطرة الحكومة. كما سيتعين على دافعي الضرائب أن يستوعبوا الخسائر المفرطة من جانب البنوك السيئة. وحتى مع ذلك فإن النظام المصرفي يحتاج إلى إعادة التمويل من أجل إنقاذ الاقتصاد. قد تتجاوز التكاليف الآن تريليون دولار، ولكن هذا أفضل من السماح لثِـقَل الديون المتراكمة بإغراق الاقتصاد.



إرث كبير تركه بوش لخلفه أوباما في الاقتصاد, فضلا عما تركه من مثالب في السياسة.

الوقود الذكي

إن سياسة الطاقة قادرة على الاضطلاع بدور أعظم إبداعاً في مواجهة كل من الركود والانكماش. لم يعد بوسع المستهلك الأمريكي أن يعمل كمحرك للاقتصاد العالمي. والأمر يحتاج إلى محرك جديد. وهنا قد تخدم الطاقة البديلة مع ترشيد استهلاك الطاقة كمحرك، ولكن هذا لن يتم إلا إذا ظلت أسعار الوقود التقليدي مرتفعة بالدرجة الكافية لتبرير الاستثمار فيها. وهذا الاستثمار من شأنه أيضاً أن يساعد في تخفيف انكماش الأسعار. ولكن حتى الآن لم يتجرأ أي من الساسة في الولايات المتحدة على محاولة إقناع جماهير الناس بالحاجة إلى الأسعار المرتفعة لأنواع الوقود التقليدية.

سيحتاج الرئيس أوباما إلى قدر عظيم من الشجاعة والبراعة للقيام بالتصرف السليم. وهذا سوف يشتمل على وضع حد أدنى لأسعار الوقود الأحفوري من خلال فرض ضريبة على الكربون أو بيع تراخيص التلوث بالمزاد. والأمر الأول قد يكون أكثر كفاءة، أما الأخير فإنه أكثر واقعية على المستوى السياسي. سيتطلب الأمر أيضاً فرض رسوم على الواردات من النفط من أجل الإبقاء على سعر النفط الداخلي فوق مستوى 70 دولاراً للبرميل على سبيل المثال. ومن الضروري أن يقتنع عامة الناس بأن تكاليف الطاقة ستظل مرتفعة على الدوام من أجل تشجيع الاستثمار في الطاقة البديلة ومبتكرات ادخار الطاقة.

في النهاية، قد تنحدر تكاليف الطاقة مع نشر التقنيات الجديدة. ولكن آلية السعر لا تكفي في حد ذاتها لضمان إنتاج تقنيات جديدة. فالأمر يحتاج أيضاً إلى الامتيازات الضريبية، والدعم، ووضع معايير خاصة بالانبعاثات الناتجة عن السيارات، ووضع قوانين جديدة للبناء. وحتى مع كل هذا فلن يتسنى لنا تحقيق أمن الطاقة أو السيطرة على الانحباس الحراري العالمي دون تحديد سعر للانبعاثات الكربونية. ولا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل ذلك وحدها؛ ولكن الأمر لن يتم دون اضطلاع الولايات المتحدة بدور ريادي فيه.


إعادة التوازن بين المركزي والمحيطي

إن النظام المالي الدولي بالصورة التي تطور إليها منذ ثمانينيات القرن العشرين كان خاضعاً لهيمنة الولايات المتحدة وما يطلق عليه "إجماع واشنطن". وبعيداً عن توفير الفرص المتكافئة، فقد تحيز ذلك الإجماع للدول التي تسيطر على المؤسسات المالية الدولية، وأبرزها الولايات المتحدة، على حساب البلدان الواقعة على المحيط الخارجي للاقتصاد العالمي. وكانت البلدان الواقعة على المحيط الخارجي خاضعة لضوابط السوق التي أملاها إجماع واشنطن، الأمر الذي جعلها عُـرضة لسلسلة من الأزمات المالية، في حين كانت الولايات المتحدة معفاة من الالتزام بهذه الضوابط، فامتصت المدخرات العالمية للحفاظ على عجز متزايد بلا انقطاع في حسابها الجاري.

ربما كان هذا الوضع ليستمر إلى ما لا نهاية، وذلك لأن استعداد أمريكا لتحمل عجز خارجي مزمن كان يقابله استعداد غيرها من البلدان لجمع فوائض مزمنة. ولقد أدت الأزمة الحالية إلى إنهاء هذا الوضع وكشفت عن مدى الظلم الذي يشتمل عليه هذا النظام، لأن الأزمة نشأت في الولايات المتحدة ولكنها تلحق ضرراً أشد بالبلدان الواقعة على المحيط الخارجي للاقتصاد العالمي.

إن الضرر الذي لحق بالبلدان المحيطية يشكل تطوراً حديثاً جاء في أعقاب إفلاس "ليمان براذرز"، والمغزى الحقيقي منه لم يتم إدراكه بشكل كامل حتى الآن. فقد تمكنت بلدان المركز من توفير الضمانات الفعلية للودائع في بنوكها، ولكن الدول المحيطية لا تستطيع أن تقدم للمستثمرين ضمانات على القدر نفسه من الإقناع. ونتيجة لهذا فقد فر رأس المال من البلدان المحيطية، وبات من الصعب تجديد القروض الناضجة، وأصبحت الصادرات تعاني الافتقار إلى التمويل.

وهذا يجعل مستقبل المؤسسات المالية الدولية معتمداً على مدى نجاحها في التأقلم مع المهمة الجديدة: التي تتلخص في وقاية البلدان المحيطية من العاصفة التي نشأت في المركز، وبالتحديد في الولايات المتحدة. والأمر يتطلب قدراً كبيراً من المساعدة لحماية الأنظمة المالية في البلدان المحيطية، بما في ذلك تمويل التجارة، وتمكين حكومات تلك الدول من تبني السياسات المالية المعاكسة للدورة الاقتصادية.

يتطلب الأمر الأول توفير أرصدة ضخمة مخصصة للطوارئ في غضون مهلة قصيرة ولفترات قصيرة نسبياً من الزمن. أما الأمر الثاني فيتطلب التمويل طويل الأجل. ولكن الحقيقة أن الـ 200 مليار دولار من الأموال غير المرتبطة التي يحتفظ بها صندوق النقد الدولي تحت تصرفه ليست كافية على الإطلاق لتقديم أي قدر حقيقي من المساعدة، نظراً لحجم الاحتياجات المحتملة. ما الذي ينبغي أن يتم إذن؟

إن أبسط الحلول يتلخص في توفير مزيد من الأموال. والآلية الخاصة بإصدار حقوق السحب الخاصة موجودة بالفعل. ولا يتطلب تفعيل هذه الآلية أكثر من موافقة 85 في المائة من أعضاء صندوق النقد الدولي. في الماضي كانت الولايات المتحدة تشكل معقلاً لمعارضة هذه الآلية. ولكن توفير الأموال الإضافية يشكل الاستجابة السليمة لانهيار الائتمان. وهذا هو ما تفعله الولايات المتحدة في الداخل، فما الذي يمنعها من تنفيذه على المستوى الدولي؟

من عجيب المفارقات هنا أن حقوق السحب الخاصة لن تفيد كثيراً في توفير السيولة على المدى القصير، ولكنها قد تكون مفيدة للغاية في تمكين البلدان المحيطية من تبني السياسات المالية المعاكسة للدورة الاقتصادية إذا ما تبرعت البلدان الغنية بمخصصاتها للبلدان الفقيرة. ولو تم تنفيذها على نطاق واسع ـ ولنقل تريليون دولار ـ فإن خطة حقوق السحب الخاصة قد تشكل إسهاماً كبيراً في مكافحة الركود وتلبية الأهداف الإنمائية للألفية كما حددتها الأمم المتحدة. وهذا التصرف غير الأناني من جانب البلدان الغنية من شأنه في الحقيقة أن يخدم المصالح الشخصية المستنيرة للبلدان الغنية من خلال تحفيز الاقتصاد العالمي ودعم الأسواق التي تتلقى صادراتها.

وإضافة إلى التبرع بمخصصاتها من حقوق السحب الخاصة، يتعين على البلدان المتقدمة الرئيسية أن تضمن على نحو مشترك، وفي إطار حدود متفق عليها، سندات حكومية أطول أجلاً تصدرها البلدان المحيطية. ولا بد أيضاً من تشجيع الترتيبات الإقليمية، شريطة أن تكون في إطار العمل الدولي. على سبيل المثال، يتعين على بنك الاستثمار الأوروبي، والبنك الأوروبي لإعادة التعمير والتنمية أن يعملا على تمويل الأشغال العامة في أوكرانيا بالاشتراك مع حزمة صندوق النقد الدولي. ولا بد من تشجيع اهتمام الصين بإفريقيا وغيرها من المناطق المنتجة للمواد الخام، شريطة أن تحرص الصين على احترام مبادرة شفافية الصناعات الاستخراجية وغيرها من المعايير الدولية.

وفي الوقت نفسه يصبح من الممكن حث بلدان الفوائض المزمنة على استثمار قسم من احتياطياتها من العملات أو صناديق الثروة السيادية في سندات حكومية أطول أجلاً تصدرها البلدان الأقل نمواً من خلال منحها حقوق تصويت إضافية في صندوق النقد الدولي. ومن الممكن ربط هذا بالصندوق المشترك المقترح الذي يكمل مرفق السيولة قصيرة الأجل.

وبما أن خطط حقوق السحب الخاصة لن تفيد كثيراً في توفير السيولة قصيرة الأجل للبلدان المحيطية، فلا بد من تحقيق هذه الغاية بالاستعانة بوسائل أخرى. وأبرز هذه الوسائل أن تساهم بلدان الفائض المزمن في إنشاء صندوق تكميلي لمرفق صندوق النقد الدولي الجديد للسيولة قصيرة الأجل، الذي يسمح للبلدان بسحب خمسة أمثال حصتها لمدة ثلاثة أشهر. على سبيل المثال، لا تستطيع البرازيل طبقاً لمرفق السيولة قصيرة الأجل أن تسحب أكثر من 23.4 مليار دولار، في حين أن احتياطياتها تبلغ ما يقرب من 200 مليار دولار. وإنشاء صندوق تكميلي أكثر مرونة من شأنه أن يمنح مرفق السيولة قصيرة الأجل قدراً أعظم من الثِقَل، والحقيقة أن توفر احتمال الحصول على حصص أعلى من شأنه أن يخدم كحافز للبلدان ذات الفوائض المزمنة لإنشاء صندوق تكميلي ضخم إلى الحد الكافي الذي يجعله مقنعاً.

فضلاً عن ذلك، يتعين على البنوك المركزية في البلدان المتقدمة أن تمد خطوط مقايضة إضافية إلى البلدان النامية، كما يتعين عليها أن تتقبل الأصول المقومة بالعملات المحلية لجعلها أكثر فاعلية. ويستطيع صندوق النقد الدولي أن يلعب هنا دوراً مهماً من خلال ضمان قيمة الأصول المقومة بالعملات المحلية.

وفي الأمد الأبعد يتعين على التنظيمات المصرفية الدولية أن تيسر تدفق الائتمان إلى البلدان المحيطية. وفي الأمد القصير يتعين على البلدان المركزية في البلدان المتقدمة أن تمارس الضغوط على البنوك المركزية لتجديد خطوط الائتمان. ومن الممكن أن يتولى بنك التسويات الدولية تنسيق هذه العملية.

لن يتسنى لنا تنفيذ أي من هذه التدابير دون أن نفتح المسألة المثيرة للقلق بشأن إعادة توزيع الحصص. وهذا سيصب في المصلحة الذاتية المستنيرة لكل من الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية، وذلك لأنها ما لم تقبل التخلي عن بعض من حقوق التصويت، فإن البلدان التي أصابت الثراء حديثاً ستتوجه نحو الترتيبات الثنائية أو الإقليمية بدلاً من التعاون مع صندوق النقد الدولي. وقد لا يكون في الإمكان تجنب هذه المسألة في كل الأحوال، ولكن الأمر سيستغرق وقتاً أطول حتى يستقر. إن أفضل المسارات يتلخص في حشد الدعم لخطة واسعة النطاق لتفعيل حقوق السحب الخاصة، وذلك بالموافقة على البدء في المفاوضات. والحقيقة أن الرئيس أوباما قادر على تلبية توقعات العالم من خلال إحراز السبق على هذا المسار.
إلى الأعلى
جورج سوروس
زائر





ردأرسل في: الثلاثاء فبراير 03, 2009 3:47 am    عنوان الموضوع: اقتصاد العالم 2009: طوق النجاة في سياسة أوباما.. واستجابة ال رد مع تعقيب

إن مستقبل الاقتصاد العالمي سيعتمد إلى حد كبير على إذا ما كان الرئيس باراك أوباما سيتبنى مجموعة شاملة ومتماسكة من التدابير، وعلى مدى النجاح الذي سينفذ به هذه التدابير. وستكون استجابة الصين وأوروبا وغيرهما من اللاعبين الرئيسيين على القدر نفسه من الأهمية. وإذا نشأ نوع من التعاون الدولي الجيد فقد يبدأ اقتصاد العالم في التسلق للخروج من هذه الحفرة العميقة بحلول نهاية عام 2009, وإن لم يحدث ذلك سنجد أنفسنا في مواجهة فترة أطول كثيراً من الفوضى والانحدار على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.

لا توجد وسيلة لإعادة التوازن الاقتصادي بضربة واحدة, بل لا بد أولاً من حقن الاقتصاد بالقدر الكافي من المال للتعويض عن انهيار الائتمان، ثم حين يبدأ الائتمان في التدفق من جديد، فلا بد من سحب السيولة من النظام بالسرعة نفسها التي تم بها حقنه بهذه السيولة. وهذه العملية الثانية ستكون أشد صعوبة على المستويين السياسي والتقني مقارنة بالعملية الأولى, إذ إنه من الأسهل كثيراً أن يتم توزيع الأموال مقارنة بمحاولة استرجاعها. ومن الأهمية بمكان أن يتم توجيه خطط التحفيز نحو الاستثمارات المنتجة نسبياً, ولا بد أن يشكل إنقاذ صناعة السيارات الاستثناء وليس القاعدة.


الدولار

إن الجهود الرامية إلى حقن الاقتصاد الأمريكي بالمال ستواجه المصاعب على جبهتين: جبهة أسعار الصرف وجبهة أسعار الفائدة. لقد خضع الدولار للضغوط في وقت مبكر من الأزمة المالية الحالية، ولكنه نجح في استعادة عافيته بقوة مع تفاقم الأزمة. إن القوة التي اكتسبها الدولار أثناء القسم الأخير من عام 2008 لم تكن راجعة إلى الرغبة المتزايدة في الاحتفاظ بالدولار، بل كان مرجعها إلى تزايد الصعوبات المتصلة باقتراضه. لقد استحوذت البنوك الأوروبية وغيرها من البنوك الدولية على قدر كبير من الأصول الدولارية التي كانت تمولها بانتظام في سوق الإنتربنك؛ وبعد أن نضب معين السوق اضطرت هذه البنوك إلى شراء الدولارات. وفي الوقت نفسه كانت البلدان الواقعة على المحيط الخارجي للاقتصاد العالمي تحتفظ بقدر عظيم من الالتزامات الدولارية التي كان لزاماً عليها أن تسددها حين عجزت عن تجديدها. وعلى المحيط الخارجي لمنطقة اليورو تزايد ارتباط روسيا وبلدان أوروبا الشرقية باليورو؛ ولكن حين انهارت السوق في روسيا كان التأثير في اليورو مماثلاً، وذلك لأن البنك المركزي الروسي كان قد أفرط في شراء اليورو ثم اضطر إلى بيع اليورو في محاولة لحماية الروبل.

ثم انعكس ذلك الاتجاه بصورة مؤقتة بحلول نهاية عام 2008، حين قرر بنك الاحتياطي الفيدرالي تخفيض أسعار الفائدة إلى الصفر تقريباً ثم شرع في تنفيذ التسهيلات الكمية. سجل اليورو نجاحاً كبيراً، ولكن ذلك النجاح لم يدم طويلاً لأن منطقة اليورو واجهت مصاعب داخلية خاصة بها. وتسببت أعمال الشغب واسعة النطاق في اليونان في جذب الانتباه إلى المحنة التي تعيشها بلدان الصف الجنوبي ـ إسبانيا وإيطاليا واليونان ـ فضلاً عن إيرلندا. حيث ارتفعت أسعار وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان في هذه البلدان، وانخفضت تقديرات الائتمان بها، كما اتسعت الفجوة في العائدات على السندات الحكومية لهذه البلدان إلى درجة خطيرة مقارنة بألمانيا. ثم اتجه اليورو إلى الانخفاض منذ بداية 2009، بل لقد سبقه الجنيه الاسترليني.

وفي مقدمة المشكلات أن ألمانيا والبنك المركزي الأوروبي يحملان وجهة نظر مختلفة فيما يتصل بالمشكلة التي تواجه الاقتصاد العالمي، وملخص وجهة النظر هذه أن بقية العالم من شأنها أن تتسبب في تقلبات واسعة في أسعار الصرف وأن تعرقل استعادة الاقتصاد عافيته. ويعمل البنك المركزي الأوروبي في إطار مبادئ توجيهية غير متماثلة: فهو ملزم بموجب الدستور بالاهتمام فقط بالحفاظ على استقرار الأسعار، وليس التشغيل الكامل للعاملة؛ أما ألمانيا فما زالت تعيش مع ذكريات التضخم الجامح أثناء جمهورية فايمار، التي مهدت الطريق أمام بروز النظام النازي. وكل من الاعتبارين يعمل ضد انعدام المسؤولية المالية وخلق النقود بصورة غير محدودة.

وهذا ينبغي أن يصب في مصلحة اليورو باعتباره مستودعاً للقيمة، ولكن التوترات الداخلية في أوروبا تعمل في الاتجاه المعاكس. والحقيقة أن غياب آلية أوروبية شاملة لحماية النظام المصرفي، واضطرار كل دولة إلى العمل بمفردها، يثير الشكوك بشأن مقدرة هذه البلدان على القيام بهذه المهمة. فهل حالة الائتمان في إيرلندا جيدة إلى الدرجة الكافية؟ وهل من الممكن أن يتقبل البنك المركزي الأوروبي الديون الحكومية لليونان باعتبارها ضمانات إضافية إلى ما هو أبعد من حدود معينة؟ الحقيقة أن الأعمدة التي تقوم عليها معاهدة ماستريخت أصبحت مهتزة ـ ناهيك عن الصعوبات التي تواجهها المملكة المتحدة وسويسرا فيما يتصل بحماية البنوك المفرطة في النمو.

وبينما تسعى الجهات التنظيمية الوطنية إلى حماية بنوكها، فقد تتسبب في إلحاق الضرر بالنظام المصرفي في بلدان أخرى. على سبيل المثال، أصبحت البنوك النمساوية والإيطالية مكشوفة بشدة في أوروبا الشرقية؛ والبنك الملكي الأسكتلندي، الذي أصبحت الحكومة البريطانية تمتلك غالبية أسهمه الآن، يزاول غالبية أعماله في الخارج، في حين أن قسماً كبيراً من الإسكان في المملكة المتحدة يتم تمويله بواسطة بنوك أجنبية. وفي نهاية المطاف ستضطر السلطات الوطنية المختلفة إلى حماية بعضها بعضا، ولكن الخطر المشترك وحده القادر على دفعها إلى ذلك.

قد يتحول أصحاب الثروات بصورة متزايدة نحو الين والذهب طلبا للسلامة، ولكنهم قد يواجهون مقاومة من السلطات ـ بصورة عاجلة في حالة الين قبل الذهب, وسينشأ قدر عظيم من الشد والجذب بين هؤلاء الذين يبحثون عن السلامة وأولئك الذين يحتاجون إلى استخدام احتياطياتهم لإنقاذ أعمالهم وشركاتهم. وفي ظل كل هذه القوى المتناقضة فمن الممكن أن نتوقع حدوث تقلبات في أسعار العملات.


أسعار الفائدة

إن الطريق إلى الخروج من فخ الانكماش يتلخص في حث التضخم أولاً ثم محاولة الحد منه. وهي عملية معقدة والنجاح فيها غير مؤكد على الإطلاق. فبمجرد عودة النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة إلى الانتعاش فمن المرجح أن تبدأ أسعار الفائدة على السندات الحكومية في الارتفاع إلى حد كبير؛ بل إن منحنى العائد على هذه السندات من المرجح أن يزداد انحداراً بسبب التوقعات. وفي كل الأحوال فإن ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل من المرجح أن يؤدي إلى خنق الانتعاش. أما التوقعات الخاصة باحتمالات تحول الزيادة الكبيرة في المدد من الأموال إلى تضخم فمن شأنها أن تؤدي إلى فترة من التضخم المصحوب بالركود, لكن هذا يشكل نتيجة مرغوبة لأنه سيساعد على تجنب الركود المطول.

إنه لمن الصعب، ولكن ليس من المستحيل، أن نتصور نجاح اقتصاد الولايات المتحدة في تسجيل نمو بمعدل 3 في المائة أو أكثر أثناء العقد المقبل. كانت الولايات المتحدة تعاني عجزا مزمنا في الحساب الجاري، الذي تجاوز 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في ذروته. وسيختفي ذلك مخلفاً وراءه عبئاً ثقيلاً من الديون الأجنبية التي سيبتلعها العجز في الميزانية أثناء الأعوام القليلة المقبلة. ولا بد والحال هكذا أن يهبط الاستهلاك باعتباره حصة من الناتج المحلي الإجمالي. أما قطاع الخدمات المالية، الذي كان القسم الأسرع نمواً من الاقتصاد، فسيسجل انحداراً شديداً. ومع بلوغ مواليد فترة ازدهار المواليد سن التقاعد بأعداد متزايدة، فقد أصبحت الميول الديموغرافية سلبية. كل هذه تأثيرات سلبية، ولكن ماذا نستطيع أن نتوقع على الجانب الإيجابي؟ نستطيع أن نتوقع توزيعاً أكثر عدالة للدخل سواء على المستوى الداخلي أو الدولي. كما نستطيع أن نتوقع خدمات اجتماعية أفضل، بما في ذلك التعليم. هذا فضلاً عن تبني سياسة بناءة في التعامل مع الطاقة تؤدي إلى استثمارات واسعة النطاق في الطاقة البديلة وادخار الطاقة. ونستطيع أن نتوقع انخفاضاً في الإنفاق العسكري، ونمواً أسرع في بلدان العالم النامي، التي ستوفر أسواقاً أفضل للتصدير وفرصاً أفضل للاستثمار. ولكن حتى في ظل أفضل السياسات فمن المحتم أن يتأخر النمو الداخلي عن الاقتصاد العالمي.


الصين

إن ما تفعله الصين لن يقل تأثيراً في مستقبل الاقتصاد العالمي ما قد يفعله الرئيس أوباما، وستشكل العلاقات الصينية ـ الأمريكية العلاقة الثنائية الأعظم أهمية على مستوى العالم. إن للصين مصلحة هائلة في ازدهار الاقتصاد العالمي, ويستطيع أوباما أن يبني على هذا في إعادة هيكلة النظام المالي الدولي، ولكن الأمر سيتطلب قدراً أعظم من البراعة والتبصر من كلا الجانبين.

إن نشوء قوة عالمية جديدة يشكل دوماً عملية محفوفة بالمخاطر. فقد أدى ذلك مرتين إلى حرب عالمية انتهت بهزيمة القوة الناشئة. ويتعين على الصين أن تغير سلوكها كي تجعل نفسها مقبولة إن كانت راغبة في تقبلها كواحدة من زعامات العالم. لقد نجحت الصين في التأقلم مع مبدأ التنمية المتناغمة، وهو توجه سليم، ولكنها تتبنى أيضاً مبادئ أخرى، أبرزها تلك التي تتعلق بتايوان والتبت، والعمل في الاتجاه المعاكس. وبسبب السياسات الخاطئة التي انتهجتها إدارة بوش وانفجار الفقاعة الخارقة، اكتسبت الصين قدراً أعظم مما ينبغي من القوة وفي وقت أقل مما ينبغي. ومن أجل تأسيس علاقة بناءة، فينبغي على كل من الجانبين أن يتنازل. فيتعين على الرئيس أوباما أن يتعامل مع الصين باعتبارها شريكاً مساوياً، ويتعين على الصين أن تتقبل استمرار الزعامة الأمريكية, ولن تكون هذه بالمهمة السهلة بالنسبة لأي من الجانبين.

إن الصين لديها كثير مما قد تتألم لخسارته. فهي ليست دولة ديمقراطية، وهي لا تعمل وفقاً لروتين راسخ فيما يتصل بتغيير الحكومات. والفشل في تحقيق معدلات نمو مُـرضية ـ التي ليس من المفترض عموماً أن تقل عن 8 في المائة سنوياً ـ من شأنه أن يؤدي إلى اضطرابات سياسية، والاضطرابات السياسية في الصين قد تكون بمثابة الفاجعة بالنسبة للعالم, لكن ما يدعو إلى التفاؤل أن الصين ابتكرت طريقة للمشورة المدروسة المتعمقة، ورغم أنها ليست ديمقراطية إلا أنها تمنح جماعات المصالح المعنية المختلفة صوتا في تحديد السياسات. والعيب الأساسي في عملية بناء الإجماع هو أنها بطيئة ومرهقة، وهناك خطر يتلخص في عدم تحرك القيادات الصينية بالسرعة الكافية للتصدي للهبوط المفاجئ في الاقتصاد العالمي. وهنا أؤكد مرة أخرى أن التحرك الرائد القوي من جانب إدارة أوباما من شأنه أن يخلف تأثيراً مفيداً للغاية في هذا السياق.


شبه القارة الهندية

إن الهند تتمتع بقدر أعظم من الاكتفاء الذاتي مقارنة بالصين، وكان ينبغي لها أن تواجه قدراً أقل من المصاعب فيما يتصل بالحفاظ على زخمها الصاعد. لقد تعرضت بورصة الأوراق المالية في الهند لضربة أشد من الضربات التي تلقتها أغلب بلدان العالم، ولكن نظامها المصرفي، الذي ما زال في يد الحكومة إلى حد بعيد، كان أقل تأثراً. ستتأثر التحويلات القادمة من بلدان الخليج، كما ستفتر عمليات الهند التجارية في الخارج، ولكن نأمل أن تستمر استثماراتها في البنية الأساسية التي يحفل سجل الهند بنجاحاتها في النمو. والحقيقة أن توقعات الاقتصاد الكلي في الهند أكثر إيجابية من أغلب مناطق العالم.

إن أهم أوجه عدم اليقين سياسية في واقع الأمر، وهي تدور حول باكستان، التي تُـعَد دولة فاشلة. فقد تعاملت بعض العناصر في المؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات عن قرب مع الإرهابيين، وهناك خطر حقيقي يتمثل في أن تكون لهم اليد العليا من جديد. كان التخطيط للهجمات الإرهابية التي شهدتها مدينة مومباي في السادس والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 شديد البراعة من حيث التوقيت والتنفيذ. وكان المقصود من تنفيذ هذه الهجمات قبل الانتخابات الهندية الإيقاع بين الهند وباكستان، وبالتالي السماح للإسلاميين بالسيطرة على باكستان، سعياً إلى البقاء في أقل تقدير أو اكتساب السيطرة على الدولة في أقصى تقدير.

لقد سمحت إدارة بوش لجميع القوى الفاعلة المختلفة بالانقلاب على بعضها بعضا: الهند ضد باكستان وأفغانستان؛ والمؤسسة العسكرية ضد الحكومة المدنية في باكستان؛ ونواز شريف ضد آصف علي زرداري داخل الحكومة المدنية ـ ناهيك عن أن القبائل العديدة التي عمدت المؤسسة العسكرية إلى تسليحها من أجل مقاتلة طالبان الباكستانية أصبحت تتقاتل فيما بينها. وستتلخص المهمة التي يتعين على إدارة أوباما أن تقوم بها في توحيد الفصائل المختلفة على مكافحة عدو مشترك، الذي يمثله الأشخاص الذين دبروا للهجمات الإرهابية ضد مومباي.

إن مشكلة باكستان ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمشكلة أفغانستان. في مستهل الأمر كانت القوات الأمريكية الغازية موضع ترحيب في أفغانستان باعتبارها قوات تحرير، ولكن حلف شمال الأطلنطي تورط في الأمر دون الاستعانة بخطة ملائمة للالتحام. وبعد ثمانية أعوام لم يعد وجود القوات الأجنبية موضع ترحيب. ومن الأهمية بمكان أن تشتمل الخطة على الدعوة إلى انسحاب منظم، ولكن هذا ليس بالأمر الممكن ما دام تنظيم القاعدة وحركة طالبان مستمرين في اكتساب القوة. ولكن إلحاق الهزيمة بهما لن يتسنى إلا بدعم نشط من السكان المحليين.

هناك ثلاث عقبات تقف في طريق النجاح: حرب المخدرات التي تؤلب السكان المحليين على القوات المحتلة؛ ووجود ملاذ آمن للإرهابيين في المناطق القَـبَلية في باكستان؛ وخسارة حكومة قرضاي شرعيتها وشعبيتها. ورغم كل ذلك فإن الوضع ليس مستعصياً على الحل، ولكن الأمر سيتطلب قدراً غير عادي من البراعة والمثابرة للسيطرة على الموقف.

البلدان المنتجة للنفط

لقد عانت البلدان المنتجة للنفط تحولا مفاجئا في حظها. فقد تحولت فوائضها إلى عجز، وتعرضت صناديق الثروة السيادية التابعة لها واحتياطياتها من العملات لخسائر ضخمة. لقد تأثرت بلدان الخليج بشدة، لأن قطاعها الخاص بما في ذلك بعض البنوك كان متوسعاً إلى درجة مفرطة. وكانت دبي صاحبة أعظم الفقاعات العقارية إثارة على مستوى العالم، ولا بد الآن من إنقاذها بالاستعانة بالاحتياطيات الضخمة في أبو ظبي.

بيد أن المحنة التي تعانيها البلدان المنتجة للنفط لا تشكل بالضرورة أنباء سيئة. إذ إن بعض بلدان الفوائض النفطية الكبرى، وأبرزها إيران وفنزويلا وروسيا، كانت معادية للنظام العالمي الحالي، وبفضل هذه الضربة أصبحت قدرة هذه البلدان محدودة. ومن الواضح أن انحدار قدرة إيران على رعاية الحركات السياسية والإرهابية في البلدان المجاورة كان ذا أثر مفيد بالفعل. فالوضع السياسي والأمني في العراق يبدو في طريقه نحو الاستقرار، كما أصبحت سورية أكثر استعداداً للتفاوض. والاحتمالات كبيرة في ألا يعاد انتخاب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في انتخابات حزيران (يونيو) 2009.

وعلى النقيض من ذلك، ربما أصبحت روسيا أكثر خطراً نتيجة لانحدار أسعار النفط. ففي عهد فلاديمير بوتن حلت القومية في محل الشيوعية باعتبارها الأيديولوجية الهادية للبلاد. والآن يستغل الكرملين سيطرته على الموارد الطبيعية لإعادة ترسيخ مكانة روسيا باعتبارها قوة سياسية، وإثراء حكام روسيا وضمان سيطرتهم على البلاد، ورشوة حكام الجمهوريات السوفياتية السابقة. وهنا تعمل الأهداف المختلفة على تعزيز كل منها لغيرها من الأهداف؛ فهي مجتمعة تشكل النظام الجديد ـ أو الديمقراطية الزائفة المبنية على الثروات البترولية.

في ظل نظام بوتن، كانت القوة الاقتصادية متركزة بين أيدي مجموعتين: هؤلاء الذين حصلوا على الممتلكات وأولئك الذين اقتطعوا حصة من التدفقات المالية. والمجموعة الأولى عموماً أكثر حنكة وأشد ميلاً إلى الغرب: وأفراد هذه المجموعة يبقون أموالهم وأبناءهم في الخارج. أما أفراد المجموعة الثانية فيستغلون سلطات الدولة المتعسفة على نحو أكثر مباشرة. ولقد تضررت المجموعة الأولى بفعل الأزمة المالية؛ أما المجموعة الثانية فقد أفلتت نسبياً من أي تأثير ضار. فقد ساعدت الأزمة على تعزيز القوى التعسفية للدولة، حيث تم إنفاق قسم ضخم من احتياطيات العملة الرسمية لإنقاذ وإعادة الاستحواذ على أصول المجموعة الأولى.

وهذا أمر مهم في حد ذاته، فمع تدهور التوقعات الاقتصادية وعجز نظام بوتن عن تلبية التوقعات الاقتصادية للناس، فمن المرجح أن يعتمد بصورة أكثر نشاطاً على السلطات التعسفية للدولة. وعلى أي حال فإن من يحتل الكرملين الآن ليس البيروقراطيين المتيقظين من العصر السوفياتي، بل القراصنة الذين كانوا على استعداد لخوض المجازفة من أجل الوصول إلى ما هم عليه الآن. وقد يُـترجَم هذا إلى تدخلات عسكرية في الخارج وقمع في الداخل.


أوروبا

تفاعلت البلدان الأوروبية المختلفة على نحو مختلف إزاء صعود روسيا العدائية، متأثرة بخبراتها التاريخية ومصالحها الاقتصادية. يتعين على أوروبا أن تقاوم التحدي الجغرافي السياسي الذي تفرضه روسيا، لا بد أن تتوحد أوروبا حتى يتسنى لها أي فرصة في النجاح. ولكن السياسة الأوروبية الموحدة لا بد ألا تكون جغرافية سياسية بحتة، وذلك لأن مصالح أوروبا المشتركة لن تكون قوية إلى الحد الكافي للتغلب على المصالح الوطنية. وهذا يعني أن روسيا ربما تتبنى مبدأ "فَـرِّق تَـسُد"، كما تفعل الآن بالفعل.

إن المفتاح إلى قدرة أوروبا على تحييد الميزة السياسية الجغرافية التي تتمتع بها روسيا يتلخص في تأسيس سياسة موحدة للطاقة، في ظل شبكة توزيع تشمل أوروبا بالكامل، وسلطة تنظيمية تشمل أوروبا بالكامل ولها السبق على الأجهزة التنظيمية الوطنية. وهذا من شأنه أن يحرم روسيا من قدرتها على تأليب دولة ضد أخرى، وذلك لأن الامتياز الممنوح لأي موزع على المستوى الوطني من شأنه أن يصبح متاحاً على الفور للمستهلكين في كل البلدان الأخرى.

ولا يقل عن ذلك أهمية أن تواصل أوروبا تعزيز حكم القانون، والتعاون الدولي، ومبادئ المجتمع المفتوح، وذلك بإصلاح النظام المالي الدولي وتوجيه انتباه خاص إلى بلدان الجوار القريب لروسيا. وأوكرانيا بصورة خاصة تعيش وضعاً محفوفاً بالمخاطر، ولكن تمويل الأشغال العامة القادرة على خلق فرص العمل في شرق أوكرانيا، حيث تمر صناعة الصلب بأزمة طاحنة، من شأنه أن يحدث فارقاً ضخماً على المستويين السياسي والاقتصادي. ولا بد من مساعدة جورجيا حتى تتماثل للشفاء من الضرر الذي لحق بها بسبب الغزو الروسي، ولكن المساعدة ينبغي أن تكون مشروطة بحرص حكومة ساكاشفيلي على احترام مبادئ المجتمع المفتوح. ولن يتسنى لنا مساعدة روسيا بصورة مباشرة بسبب اعتمادها المفرط على القوى التعسفية للدولة، ولكن حين ترى روسيا تقدم التعاون الدولي، وبصورة خاصة مع الصين، فلن ترغب في أن تنبذ وحيدة في العراء.

إن الأزمة المالية وعواقبها ستكون بمثابة فترة اختبار، وإنني لأتمنى أن يتم تطوير مؤسسات الاتحاد الأوروبي، خاصة مؤسساته المالية، وهي المؤسسات الجديدة نسبياً. يستخدم الاتحاد الأوروبي عملة موحدة، ولديه البنك المركزي الأوروبي، ولكنه لا يتمتع بسياسة مالية موحدة أو خزانة موحدة. ولقد باتت مثل هذه النقائص جلية على نحو متزايد، وقد تؤدي إلى تفكك منطقة اليورو. بيد أن الانتماء إلى منطقة اليورو أثبت قيمة عظيمة ـ فاليونان على سبيل المثال تعاني أقل من الدنمارك على الرغم من أن مشكلاتها أعظم كثيراً. وعلى هذا فإن الاحتمالات تؤكد أن اليورو سينهض من الأزمة الحالية وقد حصل البنك المركزي الأوروبي على صلاحيات أعظم في التعامل مع النظام المصرفي.

اشتهرت إدارة بوش بتأليب "أوروبا القديمة" على "أوروبا الجديدة". وإننا لنرجو أن تتبنى إدارة أوباما الجديدة المسار المعاكس تماماً. إن العالم في حاجة ماسة إلى أوروبا موحدة، سواء على الصعيد السياسي أو المالي.


بلدان العالم النامي

إن قِلة من البلدان مثل البرازيل وشيلي مجهزة على نحو معقول لتبني السياسات المعاكسة للدورة الاقتصادية اعتماداً على نفسها وبمساعدة بسيطة من المؤسسات المالية الدولية. ولكن أغلب بقية بلدان العالم النامي تعتمد بشدة على المبادرات التي وردت في الفصل السابق. وفي غياب مبادرة دولية جذرية فإن هذه البلدان ستواجه مستقبلاً قاتماً للغاية. فقد شهدت بلدان مثل: باكستان, مصر, المغرب, وهايتي بالفعل أعمال شغب من المطالبين بالطعام. وغيرها مثل جنوب إفريقيا وتركيا تعاني حالات انقطاع خطيرة للتيار الكهربي. والمكسيك تعاني مشكلة أمنية حادة بسبب تهريب المخدرات والاتجار فيها. ومع تدهور الأحوال الاقتصادية فقد تنشأ احتمالات وقوع اضطرابات مدنية هناك.

خلف انهيار الائتمان في النظام المالي العالمي أثراً أعظم تدميراً في البلدان الواقعة على محيط الاقتصاد العالمي مقارنة بالبلدان الواقعة في مركز الاقتصاد العالمي. فقد تم سحب خطوط الائتمان، وبات من غير الممكن تجديد القروض التي انتهت مدتها، ونضب معين التمويل التجاري. وإننا لنأمل أن يدرك زعماء العالم أن مصلحة بلدانهم الذاتية المستنيرة تملي عليهم أن يسارعوا إلى إنقاذ بلدان العالم النامي. والحقيقة أن جاذبية خطة التبرع بحقوق السحب الخاصة تكمن في أنها لا تفرض أي تكاليف مباشرة على البلدان المانحة. فما على هذه البلدان إلا أن تصوت لصالح إنشاء حقوق السحب الخاصة، ثم تمرر الفوائد إلى البلدان الأقل تقدماً. وإني لأرجو أن يكون هؤلاء الزعماء على قدر المسؤولية وأن يرتقوا إلى مستوى المناسبة.
إلى الأعلى
جورج سوروس
زائر





ردأرسل في: الأربعاء فبراير 04, 2009 1:16 am    عنوان الموضوع: انهيار النظام المالي العالمي.. الرصاصة من الداخل وليست خارجي رد مع تعقيب

إن التفسير السائد للأسواق المالية ـ فرضية كفاءة السوق ـ فقد مصداقيته تماماً من جراء انهيار عام 2008. ولم تكن الأزمة المالية الحالية راجعة إلى بعض العوامل الخارجية ـ تكوين أو حل أحد احتكارات النفط على سبيل المثال ـ بل كانت الأزمة ناجمة عن النظام المالي ذاته. وهذا يفضح زيف تأكيد أن الأسواق المالية تميل إلى التوازن وأن انحرافاتها تكون دوماً راجعة إلى صدمات خارجية. ولكن النظرية البديلة في تفسير كيفية عمل الأسواق والتي أطرحها هنا ـ نظرية الفعل المنعكس ـ لم تحتل المكانة التي تليق بها, بل إنها لم تحظ حتى بالدراسة الجادة من جانب أهل مهنة الاقتصاد.
وحين أسأل عن السبب وراء ذلك فإنني أحصل على إجابات مختلفة. من بينها أن نظريتي في الفعل المنعكس لا تنص إلا على ما هو بدهي، أو على وجه التحديد أن أسعار السوق تعكس نزعات المشاركين في السوق وانحيازهم. والحقيقة أن هذا فهم خاطئ تماماً لنظريتي، التي تنص على أن إساءة التسعير في الأسواق المالية من الممكن في ظل ظروف وأساليب معينة أن تؤثر في العوامل الأساسية التي من المفترض أن تعكسها أسعار السوق. ويزعم خبراء آخرون أن نظريتي الخاصة بالفقاعات مدرجة بالفعل ضمن النماذج الحالية.
ويشرح لي الخبراء الأشد تعاطفاً مع وجهات نظري أن نظريتي لم تحصل على مزيد من الاهتمام بسبب عدم إمكانية قولبتها وتحويلها إلى نموذج. ولكن هذه هي على وجه التحديد النقطة التي أحاول إثباتها: إن الفعل المنعكس يؤدي إلى إثارة الشكوك التي لا يمكن قياسها كمياً، والاحتمالات التي لا يمكن حسابها. كان فرانك نايت قد تحدث عن هذه النقطة منذ قرن من الزمان في كتابه "المجازفة والشكوك والربح"، كما أدرك جون ماينارد كينـز أيضاً النقطة نفسها. ولكن المشاركين، ووكالات التسعير والتصنيف، والجهات التنظيمية على حد سواء يعتمدون على نماذج كمية في حساب المخاطر والمجازفات.

من بين الأسئلة التي أبحث لها عن إجابة هي إذا ما كان من الممكن تحويل الفعل المنعكس إلى نموذج، أو إذا ما كان علينا أن نستمر في استخدام النماذج الكمية ولكن مع وضع الفعل المنعكس في الحسبان من خلال إضافة هامش للخطأ للتعويض عن الشكوك التي لا يمكن حسابها. في اعتقادي أننا لا بد أن نفعل الأمرين. فنظرية الفعل المنعكس لا يمكن وضعها في نموذج مجرد، ولكن لا بد أن يكون من الممكن أن يشتمل النموذج على حالات محددة تدل على الفعل المنعكس، مثل التأثير المترتب على الاستعداد للإقراض طبقاً لأسعار العقارات. وفي الوقت نفسه، فقد تكون النماذج الكمية مفيدة في حساب المجازفات التي تسود في الظروف الأقرب إلى التوازن، بينما نضع في الحسبان، خاصة لأغراض تنظيمية، أن الظروف قد تنحرف أحياناً بعيداً عن التوازن. وإنني لأتمنى أن ينخرط غيري من الناس أيضا في استكشاف سؤال مماثل.


حدود النظرية السلوكية

ثمة نموذج جديد ناشئ في تفسير الكيفية التي تعمل بها الأسواق، وهو يقوم على الاقتصاد السلوكي ونظرية الأنظمة النشوئية. ولقد تابعت تطور هذا النموذج بقدر عظيم من الاهتمام، وأدركت المزايا التي ينطوي عليها؛ بيد أنني أخشى أن هذا النموذج يهمل بعض المدركات المهمة. وأنا أعتقد أن هذا النموذج يقف كحجر عثرة في الطريق نحو فهم الأسواق المالية إذا ما تحول إلى عقيدة جديدة. واسمحوا لي أن أشرح السبب:

إن الاقتصاد السلوكي يستكشف نزوات السلوك البشري والآثار التي تخلفها على سلوك السوق. ولقد أظهر الاقتصاد السلوكي من خلال التجارب عدداً من الانحرافات عن السلوك العقلاني في هيئة نـزعات سلوكية محددة تتسم بها عملية صنع القرار في ظل ظروف غير يقينية، وتضر بمصلحة الوكيل الاقتصادية. ولقد شكل هذا تحديا لافتراض السلوك العقلاني وفرضية كفاءة السوق. ورد أنصار فرضية كفاءة السوق بالاعتراف بوجود أوجه القصور هذه، ولكنهم يزعمون أن أوجه القصور المعنية يمكن إزالتها عن طريق شراء الشيء من سوق ثم بيعه في سوق أخرى arbitrage.

لقد قدم هذا الزعم المبرر لما يطلق عليه صناديق التحوط المحايدة للسوق، التي يزعم مبتكروها أنها قادرة على تسجيل ربحية عالية عن طريق استغلال فرص الشراء والبيع في أسواق مختلفة وبالاستعانة بالروافع المالية (الشراء بأموال مقترضة). والمثال الأكثر شهرة هنا هو صندوق إدارة رأس المال طويل الأجل، الذي انفجر عام 1998 فكاد يؤدي إلى انهيار الأسواق المالية. والاقتصاد السلوكي ليس لديه تفسير لأسباب انفجار صندوق إدارة رأس المال طويل الأجل. أو إذا تحرينا الدقة فإن تفسيره الضمني يتلخص في أن قوى الانحياز السلوكي أثبتت أنها أقوى من قدرة صندوق إدارة رأس المال طويل الأجل على الصمود في وجهها. وهذا التفسير في الحقيقة أقل إرضاء إلى حد كبير من مفهوم النـزعات ذاتية التعزيز أو الفقاعات الذي طرحته.

الواقع أن الاتهام الموجه إلى الفعل المنعكس ـ في أنه لا ينص إلا على حقيقة واضحة مفادها أن العوامل النفسية البشرية تؤثر في أسعار السوق ـ من الممكن أن يوجه إلى الاقتصاد السلوكي وعلى نحو أفضل تبريرا. وإذا تحول الاقتصاد السلوكي إلى نموذج جديد سنخسر فكرة جديرة بالدراسة مفادها أن إساءة التسعير من الممكن أن تؤثر في العوامل الأساسية، وأن الأسواق المالية، بعيداً عن كونها مجرد انعكاسات سلبية للأوضاع، تشكل قوة نشطة قادرة على صياغة نتائج تاريخية.

إن الأسواق كثيراً ما ترغم الإدارات بل حتى الحكومات على العمل على نحو محدد لمعالجة مخاوفها. وحتى في استكشافه العوامل النفسية البشرية فإن الاقتصاد السلوكي يبدو أكثر بدائية من نظريتي: فهو لا يستكشف إلا النـزعات السلوكية، وليس المفاهيم الخاطئة مثل أصولية السوق. وهو أيضاً أكثر بدائية من فرضية كفاءة السوق لأنه لا يصوغ أي فرضية شاملة.


إنسان أم آلة؟

على النقيض من ذلك، تحرص نظرية الأنظمة النشوئية على صياغة فرضية شاملة. كان أندرو و. لو من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قد صاغ هذا التوجه تحت اسم "فرضية الأسواق المتكيفة"، ولم يكن في ذلك وحده، حيث يتخذ معهد سانتا في الاتجاه نفسه. والحقيقة أنه أصبح من الشائع تطبيق مفهوم تشارلز دارون في البقاء للأصلح على أكبر عدد ممكن من المجالات.

تنظر فرضية الأسواق المتكيفة التي اقترحها أندرو لو إلى الأسواق المالية باعتبارها نظاما بيئيا حيث يلاحق المشاركون استراتيجيات مختلفة تتكامل مع بعضها بعضا من أجل تعظيم فرص البقاء لمادتهم الجينية، والمقصود بها هنا الأرباح. وهذه الفرضية تفلت من القيود التي تفرضها فرضية كفاءة الأسواق باعترافها بأي استراتيجية ما دامت في النهاية تعزز القدرة على البقاء.




إن فرضية الأسواق المتكيفة تستحق أن تتحول إلى نموذج، والنماذج تتسم بالديناميكية: حيث تدور كل من الاستراتيجيات وتطبيقاتها في سياق التكرار. ومن الممكن هنا الاستغناء عن مفهوم التوازن ليحل محله تفاعل ثنائي الاتجاه أقرب إلى مفهوم الفعل المنعكس. ولقد نشأ هذا الأسلوب في تحويل المفهوم إلى نموذج من خلال دراسة العلاقة ثنائية الاتجاه بين الضواري والفرائس، وهنا يعمل النموذج على خير ما يرام. ومنذ ذلك الحين انتشرت نماذج التكيف هذه إلى عديد من الموضوعات الأخرى إلى جانب الأسواق المالية، بما في ذلك دراسة الأديان.

من الواضح أن فرضية الأسواق المتكيفة على قرابة وثيقة بنظرية الفعل المنعكس. والحقيقة أنني مأخوذ بها، وأتمنى لو تنجح في تقديم الوسيلة لتحويل نظرية الفعل المنعكس إلى نموذج ـ ويبدو أن هذا يشكل العقبة الرئيسة أمام أخذ الإطار المفاهيمي الذي طرحته على محمل الجد, إلا أنني أرهب هذه الفرضية أيضاً، فأنا أخشى أن تتشوه أفكاري أثناء عملية تكييفها في هيئة نموذج. واسمحوا لي أن أحاول توضيح مخاوفي.

من بين الأمور المركزية في نظرتي إلى العالم تلك الفكرة التي تقول إن الشؤون البشرية ـ الأحداث التي يحيط بها مشاركون مفكرون ـ تتسم ببنية مختلفة جوهرياً عن الظواهر الطبيعية. إذ إن الأخيرة تحدث دون أي تدخل من الفكر البشري؛ فهي عبارة عن مجموعة من الحقائق التي تتوالى تباعا في سلسلة سببية. وهذه ليست الحال فيما يتصل بالشؤون البشرية. إذ إن السلسلة السببية لا تقودنا من مجموعة من الحقائق إلى مجموعة أخرى تالية، بل إنها تربط بين الموقف وأفكار المشاركين في هيئة حلقة رجعية انعكاسية ذات اتجاهين.

وما دام هناك اختلاف قائم دوماً بين وجهات نظر المشاركين والحالة الفعلية للأمور، فإن نظرية الفعل المنعكس تُدخِل عنصراً من عدم اليقين إلى مسار الأحداث، وهذا العنصر يغيب عن الظواهر الطبيعية. أخشى أن تضيع هذه الفكرة بين ثنايا فرضية الأسواق المتكيفة، وذلك لأن نظرية الأنظمة النشوئية لا تميز بين الظواهر البشرية والطبيعية. فهي تتعامل مع تطور المجتمع الذي تنطبق عليه سواء كان مؤلفا من ميكروبات أو مشاركين في السوق.

ولكي أكون أكثر تحديداً فأنا أرسم خطا فاصلاً بين الآلات مثل السيارات ومحطات الطاقة من ناحية، وبين المؤسسات الاجتماعية مثل الدول أو الأسواق أو ترتيبات الزواج من ناحية أخرى. وأنا أزعم أن الآلات لا بد أن تكون جيدة التشكيل حتى تتمكن من البقاء، أي بمعنى أنها لا بد أن تؤدي الوظيفة التي صُـمِمَت من أجلها. أما المؤسسات الاجتماعية فهي مختلفة تمام الاختلاف: فهي قد لا تخدم الغرض منها على النحو السليم، ولكنها قد تتمكن رغم ذلك من البقاء إلى أجل غير مسمى. أو نستطيع أن نقول بعبارة أخرى إن الأسواق قد تتسم بعدم القدرة على التكيف. هذا هو التمييز الذي فشلت فرضية الأسواق المتكيفة في إدراكه.

ثمة أمر مثير للريبة بشأن مفهوم الأنظمة المتكيفة، سواء كنا نتحدث عن الأسواق أو الحكومات أو الأديان. ويبدو أن هذا المفهوم يبرر السائد لمجرد أنه سائد. وهذا يتجاهل الدرس الأعظم أهمية الذي يتعين علينا أن نتعلمه من انهيار عام 2008. إن هذا الصرح الهائل المبهر، أو ما نطلق عليه النظام المالي العالمي، لم يبلغ مرحلة الانهيار بفعل صدمة خارجية غريبة، بل كان انهياره راجعاً إلى أن التخطيط له كان مضللاً وغير دقيق. ولكن كيف كان ذلك وارداً؟

لا بد أن يكون هناك بعض الاختلاف بين البنى الاجتماعية مثل النظام المصرفي والبنى المادية مثل المباني التي تشبه المعابد الإغريقية التي تعودنا على إنشائها كمواقع للبنوك والمصارف. ولقد اكتشف المشاركون في السوق، بما في ذلك الأجهزة التنظيمية، هذه الحقيقة بعد أن تكبدوا ثمنا باهظا وتعرضوا لقدر عظيم من الذعر في انهيار 2008؛ والآن يعاني الاقتصاد العالمي العواقب. إن الإطار الذي تدور فيه مفاهيمي يؤكد لي أن الفعل المنعكس يشكل الفرق بين البنى الميكانيكية والبنى الاجتماعية. وتفشل فرضية الأسواق المتكيفة في الإقرار بوجود أي فارق بين البنيتين على الإطلاق، وهي بهذا تعمل على تخليد الخطأ الجذري الذي تشتمل عليه فرضية كفاءة السوق.

الانعكاسات والفعل المنعكس.

كيف يمكن للاقتصاد أن ينتج فرضيتين يشوبهما الخطأ نفسه؟ إن التفسير يكمن في حقيقة مفادها أن كلاً من فرضية كفاءة السوق وفرضية الأسواق المتكيفة تتقدم بالقياس، فتطبق على المجال الاجتماعي نهجاً صادف النجاح في حقل آخر ـ تعتمد فرضية كفاءة السوق على قوانين نيوتن في الفيزياء، أما فرضية الأسواق المتكيفة فتعتمد على علم الأحياء النشوئي. وفي هذا السياق أود أن استحضر فرضيتي الجذرية في اللا عصمة أو القابلية للخطأ: إننا كلما اكتسبنا بعض المعرفة المفيدة نميل إلى مدها إلى مناطق لم تعد قابلة لأن نطبقها عليها.

بيد أنني على النقيض من ذلك، أبدأ بتفسير العلاقة بين التفكير والواقع. وهكذا توصلت إلى مفهوم الفعل المنعكس، الذي يمكن تطبيقه على دراسة الأسواق المالية. وأنا أزعم أن تناولي الأمر يؤدي إلى نتائج أفضل من النتائج التي أدت إليها فرضية كفاءة السوق أو فرضية الأسواق المتكيفة، وأنا بصراحة أرفض أي محاولة للتوفيق بين النتائج التي توصلت إليها وبين أي من هاتين الفرضيتين. وما دامت فرضية كفاءة السوق قد خسرت كل مصداقيتها، فأنا أشعر بانزعاج شديد خشية أن تطغى على نظريتي فرضية الأسواق المتكيفة، التي أصبحت الآن في صعود.

الحقيقة أنني أفهم الدافع وراء فرضية الأسواق المتكيفة: الرغبة في حماية المكانة العلمية للاقتصاد. بيد أنني أرى أن هذا الجهد في غير محله، وأنه نتاج لما نستطيع أن نطلق عليه بمصطلحات فرويد "حسد الفيزياء" لدى خبراء الاقتصاد. وأنا أزعم أن العلوم الاجتماعية والطبيعية تتصدى لمهام مختلفة وتتطلب مناهج مختلفة في التناول.

وهنا، لا بد لي أن أعرض تحفظا ملحوظا في حجتي, فأنا في الحقيقة أشعر بانزعاج شديد إزاء التمييز الحاد الذي رسمته بين الشؤون البشرية والظواهر الطبيعية, إذ إن مثل هذه الخطوط الفاصلة الحادة ليست من سمات الطبيعة، بل إنها تنتمي إلى الجهود البشرية الرامية إلى فهم واقع لا نهاية لتعقيداته. وهذا أيضاً يتفق مع افتراضي للقابلية للخطأ.

إلا أنني رغم ذلك حريص على التوصل إلى فهم أفضل للارتباط بين نظرية الأنظمة النشوئية وبين نظرية الفعل المنعكس. كنت قد طرحت هذا السؤال في معهد سانتا في، وهو المعهد المكرس لدراسة التعقيد، إلا أنني لم أتوصل إلى الإجابة بعد. وهذا سؤال آخر أود أيضاً لو يفكر آخرون غيري في الإجابة عنه.

أنا على استعداد للاعتراف بأن نظرية الفعل المنعكس لا تلبي المعايير المقبولة حالياً للنظرية العلمية. وهذا هو السبب الذي دعاني إلى نشر كتابي الأول حول هذا الموضوع تحت عنوان "كيمياء التمويل". إلا أنني أزعم أننا لا بد أن نعمل إما على تعديل المعايير وإما دراسة الأسواق المالية بطريقة غير علمية.
قد يكون تنفيذ الاقتراح الأول صعبا، لأنه لا بد أن يشتمل على خسارة الاقتصاديين مكانتهم. وقد يكون من الأسهل أن نكتسب القبول للنموذج الجديد بأن نطلق عليه وصف النموذج الفلسفي بدلاً من النموذج العلمي. كانت الفلسفة تحتل مكانة بارزة قبل أن تحل الطرق العلمية محلها. والحقيقة أن المنهج العلمي حقق نجاحاً مبهراً في دراسة الطبيعة، ولكنه كان أقل نجاحاً في المجال الإنساني. وهذا هو ما قادني إلى اتخاذ موقف من مبدأ كارل بوبر في وحدة المنهج العلمي.
قد يكون من اللائق أن نعيد الفلسفة إلى مكانتها البارزة. وآنذاك ربما يخدم إطاري المفاهيمي كنموذج فلسفي جديد لفهم الشؤون الإنسانية عموماً والأسواق المالية بوجه خاص. والحقيقة إنني أكثر اهتماماً بالمعاني الفلسفية التي تشتمل عليها السوق أكثر من اهتمامي بجوانبها المالية، رغم أنه قد يكون من قبيل النفاق أن أقلل من قيمة الجوانب المالية للسوق. ما زال لدي كثير من الكلام حول هذين الموضوعين، ولكن يتعين عليّ أن أتوقف عند هذا الحد. إلا أنني لا أعتبر هذا نهاية للمناقشة.
إلى الأعلى
مواضيع سابقة:   
كتابة موضوع جديد   الرد على الموضوع    syriabusiness قائمة المنتديات -> المنتدى الأقتصادي جميع التوقيت على GMT + 10 ساعات
صفحة 1 من 1

 
إنتقل إلى:  
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع حذف مواضيعك في هذا المنتدى
لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى


Powered by phpBB © 2001, 2002 phpBB Group

Template created by phpbb2.de

  SyriaBusiness.org © 2006 - Contact E-mail: syriabusiness@syriabusiness.org - Website designed by:  Adriano Silveira
Web site engine code is Copyright © 2003 by PHP-Nuke. All Rights Reserved. PHP-Nuke is Free Software - GNU/GPL license