أرسل في: الثلاثاء مارس 03, 2009 2:14 am عنوان الموضوع: مؤشرات نهاية القطبية الأحادية
الباحث الاقتصادي :علي أسعد حسن ** إن تفكك الاتحاد السوفيتي بعد انهيار جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة العام 1989،جعل النظام الدولي غير متجانس، أي أن ((الدول هي منظمة حسب مبادئ أخرى، وتتبنى قيما متناقضة )) و أدخل العالم في عصر القطب الواحد الذي جعل الولايات المتحدة الأميركية القوة العظمى في العالم . وكانت في أحيان كثيرة تستعمل حلف الأطلسي غطاء لسياستها وتخطيطها والمنازعات التي تطلقها في أطراف العالم، وبقيت المهيمن الوحيد خلال عقدين تقريباً. ومنذ أن فرضت
الولايات المتحدة الأميركية هيمنتها المطلقة على النظام الدولي الجديد أحادي القطبية، على الأقل مؤقتا، فرضت قناعة على حكومات العالم وشعوبه بدور حكومة الولايات المتحدة الأميركية في فرض الآلية الجديدة للنظام الدولي الذي تريد فرضه في الشرق الأوسط ، و أساءت التصرف في علاقاتها- العامة والخاصة- في أطراف المعمورة، وفي الوقت الذي حملت شعار الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، عملت على دعم حكومات مستبدة في الكثير من البلدان،واتبعت إستراتيجية النصر التي اعتمدتها إدارة بوش التي استوحت فلسفتها في إدارة الأزمات الدولية والإقليمية من إيديولوجية المحافظين الجدد. فقد اعتمد هؤلاء الحرب الاستباقية مذهباً لهم، في ظل نشوة انتصار الولايات المتحدة الأمريكية عندما انهار المعسكر الاشتراكي، وصدَّقت أن العالم تغير تغيراً جذرياً لا رجعة فيه، وافترضت أن التاريخ ذاته انتهى، وأن العولمة الرأسمالية الديمقراطية انتصرت إذ استطاعت الإجابة عن كل الأسئلة الكبرى، وأنها باتت القائد بلا منازع للنظام العالمي الجديد أحادي القطبية، وأن الناس الأحياء في ظله، سيستكينون إلى اهتمامات دنيوية :
بعضهم سيعمد إلى جمع الثروات، وبعضهم الآخر سيلجأ للاستهلاك.وسعت إلى تفتيت الشعوب، وقد اخترقتها الصهيونية على نحو ما رأينا في العراق والصومال وأفغانستان وبلدان أميركا اللاتينية، وعملت على الدفاع عن حقوق الإنسان نظرياً وأساءت إلى الإنسان كثيراً :
سجن (غوانتانامو) في القاعدة الأميركية في كوبا، وسجن أبو غريب في ضواحي بغداد، حيث تعذيب السجناء بشكل وحشي، وقتل الأطفال والنساء في أفغانستان وباكستان من خلال غارات جوية عشوائية.وسخرت السياسة الأميركية من الهدوء النسبي الذي رافق العلاقات الروسية الأميركية على مدار عقد من الزمن ، إذ عملت على استفزاز روسيا بإقامة قواعد صاروخية في محيط الاتحاد الروسي، وسعت إلى ضم الدول المجاورة لروسيا إلى حلف الأطلسي ما أثار الدب الروسي النائم. والآن يواجه القطب الأميركي الواحد تحديات عدة، وهو أساء إلى مبادئه والمبادئ الإنسانية التي عقدها الرئيس الأميركي ويلسون في مطلع القرن الماضي، رغم التظاهر الكاذب بدعم الحرية والديمقراطية في العالم أما مرتكزات انحسار القطبية الأحادية بالإضافة لما سبق فهي :
1. حرب العراق المصطنعة بتخطيط إسرائيلي، وقد استنزفت مليارات الدولارات، وأصابت الخزانة الأميركية بعجز واضح وقد وقع القطب الواحد في مستنقع لا يعرف كيف يخرج منه فمنذ الغزو الأميركي للعراق، ما انفكت بعض الدول الأوروبية، تنادي بعالم متعدد الأقطاب لمواجهة العالم الأحادي القطبية، حيث إن أوروبا الممسوكة بقوة من قبل المحور الألماني - الفرنسي، أصبحت أحد الأقطاب الرئيسيين لهذا العالم المتعدد، يكشف على ذلك الصراع التنافسي الذي تخوضه مع الولايات المتحدة الأميركية على مسرح الشرق الأوسط، وأفريقيا.
2. حرب أفغانستان التي أرادتها الولايات المتحدة للخلاص من الإرهاب، وقد نتج عنها انتشار الإرهاب ودخولها في مستنقع آخر يجمع أكثر المعلقين السياسيين الأميركيين على أنه ورطة لا نهاية واضحة لها، وإذا عدنا لتاريخ أفغانستان وكيف حاولت بريطانيا السيطرة عليه ففشلت وغادرته... وأتى بعدها الاتحاد السوفييتي وعمل خلال عشر سنوات من احتلاله وتملكه واستباحته... ثم غادر فاشلاً وقد كانت هذه المغامرة أحد الأسباب التي أدت إلى تفككه وانحلاله وغيابه عن الساحة الدولية والآن جاء دور الولايات المتحدة وغطائها الحلف الأطلسي، فهل سنرى الخيبة والفشل والأسى تضرب هذا القطب الأميركي (مع مشاركة أوروبية) ليغادر أفغانستان خائباً على النحو الذي رأيناه في التمدد البريطاني ثم التغلغل السوفييتي.
3. ويأتي الملف النووي الإيراني، حيث لم تتمكن من إيقافه حتى الآن، في حدود المماطلة والتسويف, و حتى لو نجحت الولايات المتحدة في فرض عقوبات على إيران فهي لا تضر بالفعل بالأعمال النووية الإيرانية، بل تضر بالشعوب الإيرانية، مما سيزيد من تقوية حدة العداء لأمريكا. . ويرتكب الغرب خطأ جسيما، إذا اعتقد أن الشعوب الإيرانية هي الآن ناضجة لكي ترتمي في أحضان الغرب. إن امتلاك التكنولوجيا النووية أصبح شعارا وطنيا، بالإضافة إلى أن البلد محاط بدول تمتلك أسلحة نووية (إسرائيل،الهند، باكستان). ويعتقد المخططون الإستراتيجيون في طهران أن الولايات المتحدة الأمريكية أضحت ضعيفة منذ مغامرتها العسكرية في العراق. فهم لا يخشون هجوما عسكريا أميركيا أو إسرائيليا، يمكن أن يتحول إلى فشل ذريع ، ولا عقوبات اقتصادية، تتطلب فعاليتها تشكيل جبهة عالمية داخل الأمم المتحدة. لذلك فوصول أمريكا لأهدافها سيبقى صعباً، خاصة أن الصين والاتحاد الروسي لا يقبلان بامتدادها إلى هذه الرقعة المهمة من الشرق الأوسط .
4. ويأتي الكذب والخداع والتسويف في إقرار سلام حقيقي في فلسطين، حيث ترفض إسرائيل أي سلام، وإن كانت تتحدث عنه كاذبة في الظاهر، لتخفي ما تخططه في الباطن، ولن ترضى أو تقبل بدولة فلسطينية فاعلة إلى جوارها، مادامت تتابع الاستيطان والتمدد وتمزيق الضفة الغربية من خلال جدار عازل وحواجز أمنية بالعشرات بالإضافة لحرب غزة الأخيرة التي كشفت عن نوايا أمريكا و إسرائيل الحقيقية تجاه مسألة السلام .
5. وأتى أخيراً التحدي الروسي في جورجيا، ما أصاب هيبة القطب الأوحد في الصميم، إذ لم يستطع أن يقدم لحليفه حاكم جورجيا الدعم الحقيقي الفعال فَروسيا اليوم غير روسيا الضعيفة قبل عشر سنين، والصعود التدريجي لنفوذ موسكو في حقبة فلاديمير بوتين، المدعوم بعائدات النفط والغاز الكبيرة، يعني أن روسيا ستكون قادرة أكثر من أي وقت مضى منذ انهيار الاتحاد السوفييتي على وقف المد الغربي عبر توسيع حلف شمال الأطلسي في منطقة نفوذها التقليدية في القوقاز وأوروبا الوسطى. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة سيعزز نفوذ دول نفطية أخرى تسعى إلى تحديد نفوذ واشنطن في مناطقها مثل إيران وفنزويلا .
6. يضاف إلى هذه العوامل المهمة، انطلاق الصين العجيب في مجال التطور الحضاري ما يؤكد أنها ستكون قطباً عالمياً مهماً في السنوات القادمة، يزاحم القطب الأميركي في الإشراف على العالم.... كما أصبحت القوة الاقتصادية الثالثة في العالم بتجاوزها الاقتصاد الألماني ، و تمتلك الوسائل الكافية لمنافسة الولايات المتحدة الأميركية التي تخلت عن هديها إلى الديمقراطية . فمسألة تايوان، والميزانية العسكرية الضخمة للصين، وقدرة الصواريخ الصينية العابرة للقارات على تهديد نيويورك.. هذه المسائل مجتمعة تمنع من أن يكون قرار السلام في هذه المنطقة من العالم حكرا ً على الولايات المتحدة الأميركية بمفردها كذلك تشكل الصين قلقا لأنها مستمرة في تعزيز تحالفاتها الإقليمية، مع المناداة بطريقة ذكية ببناء تدريجي لنظام دولي متوافق. بيد أن التوافق لا يعني الانسجام. وفي الواقع العملي تستمر بكين في بسط شبكة نفوذها لتخفيض تبعيتها في مجال الطاقة، وهي تتقاسم مع موسكو الهدف عينه(( لجهة قضم التواجد الأميركي الذي تطور في آسيا الوسطى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي)) وأتى أخيراً نشاط الصين في مجال الفضاء الخارجي، قفزة حضارية أكدت أن الصين قد اكتسبت موقعاً عالمياً يجاري الولايات المتحدة إن لم ينافسها.
7. يضاف إلى ذلك أن أمريكا تلقت ضربات موجعة في حديقتها الخلفية مع مجيء رؤساء يساريين في بلدان أميركا اللاتينية، أمثال الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز، الذي يعتبر مناهضاً للامبريالية - والذي أعطاه الريع النفطي سلطات لم يستطع أن يحلم بها أبداً والبرازيلي لويس لولا داسيلفا، والاورغواني تابار فاسكويز، والأرجنتيني نيستور كريشنر، والبوليفي إيفو موراليس، والتشيلية الاشتراكية ميشال باشليه..
8. آخر وجه للتراجع السريع في طاقات الولايات المتحدة الحضارية... الأزمة المالية الخانقة التي تعصف بشدة في المجتمع الأميركي، من دون أي بادرة انفراج أو تراجع.
إذا نحن الآن لسنا في زمن تواجه فيه الولايات المتحدة الأميركية تحديا ً مفتوحا ً مباشراً، كما كان في الحقبة السوفييتية، أو في عهد الجنرال ديغول والمحور الألماني - الفرنسي لمدة ربع قرن تقريبا. وإذا كان العالم لم يعد أحادي القطبية، فإن هذا لا يعني أنه أصبح متعدد الأقطاب. ولكن أليس هو في الطريق لكي يصبح ثنائي القطبية على الأقل؟ من هنا نستنتج العودة إلى نوع من حرب باردة جديدة. في الوقت الحاضر،حيث تتبع الصين وروسيا نهجا ديغوليا في السياسية الدولية (الاستقلال الوطني) ولكنه مجرد من كل محتوى إيديولوجي، على نقيض الحرب الباردة التاريخية. كل هذه التناقضات متجسدة حاليا بشأن إيران، وحرب القوقاز الأخيرة.فلا روسيا، ولا الصين، تريدان مواجهة الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، فضلا عن أنهما لا تعتقدان أنهما تحققان مكسبا استراتيجيا في حال امتلاك إيران السلاح النووي. بيد أن روسيا والصين تريدان إقامة علاقات جيدة مع إيران. أما على الصعيد العربي فهناك غياب كلي للنظام الإقليمي العربي، الذي لو كان فاعلا، لكان بإمكانه أن يقدم رؤية استقلالية لأزمات المنطقة تخدم مصالح الشعوب العربية في التحرر من السيطرة الأميركية - الصهيونية، ولاسيما في سبيل تعزيز نهج المقاومة من أجل تحرير فلسطين، وتشكيل محور عربي قادر على تقديم مشروع بديل من الاستقطابات الإقليمية والدولية للبلاد العربية.وبديهي أن الغياب العربي الآن عن المسرح الإقليمي قد أفسح المجال أمام الآخرين للعب دور إقليمي بارز، ولاسيما تركيا، التي توازي بين انتمائها الأوروبي وهويتها الشرقية وتجاري الإستراتيجية الأميركية مع حرص على التمايز ضمن الخط العام.
الباحث الاقتصادي :علي أسعد حسن
طالب ماجستير في العلاقات الاقتصادية دولية
حماة/سلحب / حورات عمورين
alihassan923@gmail.com"
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع حذف مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى