أرسل في: الثلاثاء مارس 02, 2010 12:07 am عنوان الموضوع: إصلاح النظام المالي يتطلب التفكير بعقلية عالمية
مع توجه البلدان حول العالم إلى العمل الجاد المتمثل في إصلاح أنظمتها المالية، تقوم الحاجة إلى زيادة التنسيق الدولي في هذا الشأن. وشكلت ضرورة إصلاح الأنموذج التنظيمي الفاشل الذي كان السبب في حدوث الأزمة، دافعاً مهماً لذلك. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الغضب العام من ضخامة المكافآت التي تصرفها البنوك، بالرغم من ارتفاع معدلات البطالة. وأياً كان الدافع، فإن هناك أدلة على وجود تفكير جديد في المقترحات التي عرضت أخيرا لإصلاح القطاع المالي، التي تتجاوز فنيات المتطلبات الخاصة برأس المال والأعراف المحاسبية من أجل معالجة حالات الإفراط في الحجم، والتعقيد، وهياكل التعويضات.
ما يعقد الأمر هو أن الأنظمة المالية الوطنية جزء من شبكة عالمية أوسع. وبينما توجد عملية تعاون لجسر مشكلة تعامل الجهات التنظيمية المحلية مع البنوك العالمية، تتناول بلدان كثيرة الصورة الأكبر للإصلاحات من زوايا مختلفة وبسرعات متباينة. وفي غمرة هذه العملية ننسى درساً مهماً تعلمناه من هذه الأزمة: التنسيق يعمل بشكل أفضل من الأحادية.
لنضرب مثالاً بسيطاً. فقد قرر عدد من البلدان أنه ينبغي للبنوك الأجنبية، حتى لو كانت تعمل بصفتها فروعاً أجنبية، أن تحتفظ بسيولة أعلى محلياً كي تتمكن من الصمود في وجه احتمال حدوث جمود في إمكانية وصولها إلى التمويل المحلي. في ظاهر الأمر يعتبر هذا أمراً حصيفاً. لكن البنوك الكبرى تدير المخاطر التي تواجهها على صعيد التمويل والإقراض على نحو عالمي. فإذا تعين على البنوك أن تسد منابع السيولة في كل بلد تعمل في ظل أنظمته، فإن قدرتها على التدخل في رأس المال عبر الحدود يمكن أن تتراجع، ويمكن أن ترتفع كذلك الرسوم التي تتقاضاها على هذا العمل، الأمر الذي يلحق الضرر بالاقتصاد العالمي. لذلك، ينبغي أن يتم التأمل في هذه الاعتبارات وأن تناقش على مستوى متعدد الأطراف قبل الاتفاق على الإصلاحات، حتى تلك الإصلاحات التي تبدو معقولة تماماً، في أي اتجاه بعينه.
أحد الأسباب التي تقف وراء زيادة المبادرات التي تعتبر معقولة على الصعيد المحلي، لكنها قصيرة النظر على الصعيد العالمي، هو عجز الجهات التنظيمية حتى الآن عن الاتفاق على آلية مقنعة لتقاسم الأعباء عندما تقع الشركات العملاقة العابرة للحدود في المشاكل. من المؤكد أن هذا تحد هائل، كونه المكان الذي تصطدم فيه حقيقة قانون السلطة المالية والإفلاس على المستوى المحلي مع واقع المصرفية العالمية.
وإلى أن نقترب من التوصل إلى ميثاق عالمي شبيه بالميثاق الذي يعالج حوادث الشحن، ستحاول البلدان لا محالة أن تحد من المسؤولية التي يحتمل أن تقع على دافعي الضرائب فيها، عبر الإصرار على اتباع القواعد الحصيفة المحلية. في هذه الأثناء، ستندفع المؤسسات التي توشك على الإفلاس لا محالة إلى نقل موجوداتها إلى بلد آخر على حساب حل عالمي أكثر فاعلية – وهو ما تتطلبه القوانين الحالية أولاً وأخيراً.
إن هذا جزء من فجوة أكبر في تنظيم عمل المؤسسات المالية المعقدة الكبرى التي تهيمن على قطاع التمويل. تخيل شركة قابضة مالية تمتلك بنكاً تجارياً، وبنكاً استثمارياً، وشركة تأمين، وشركة للمشتقات. في أوقات الرخاء لا يهم إلا الكيان المدمج. أما في الأوقات السيئة، فيجب فرز كل شركة تابعة تواجه المتاعب على حده، وتنظيم عملها عبر لوائح وإجراءات تختلف وفقاً للشكل القانوني للشركة التابعة، الأمر الذي يلحق الضرر بالكيان المدمج، وبالنظام المالي، وبالاقتصاد. والآن تصور أنك تحاول التعامل مع شركة عملاقة لها 100 شركة تابعة تعمل في بلدان عديدة، عندها ستكون أقرب من الواقع المعقد الذي كان عليه بنك ليمان.
من هنا جاءت الأهمية الكبيرة للمقترحات الأخيرة الداعية إلى تأسيس»سلطة للحلول الخاصة» وإلى كتابة «الوصايا أثناء الحياة» من أجل معالجة فشل المؤسسات المالية المعقدة على مستوى الشركة الأم. لكن حتى مع سعيها إلى خيار وسطي يقع بين الإنقاذ والانهيار الكارثي، فإن نطاق هذه الآليات لا يمتد دائماً إلى الشركات التابعة العاملة خارج الوطن الأم. وليس كل البلدان لديها سلطة الحلول الخاصة هذه فيما يتعلق بالشركات القابضة المالية. وبانتظار التوصل إلى اتفاقية عالمية في هذا الشأن، سيظل لدينا نظام مليء بالثغرات، يقوم على اتباع الأساليب الوطنية الفردية.
إن العملية العالمية الرامية إلى التوصل إلى اتفاق بشأن السياسات المتبصرة بموجب لجنة بازل ومجلس الاستقرار المالي، تعتبر مشروعاً مهماً يستحق الدعم الكامل من المجتمع الدولي. ويجب زيادة وتيرة عمل هاتين الهيئتين وغيرهما من الهيئات التي تحدد المعايير المالية من أجل إيجاد الانسجام بين اللوائح التي تحد من الإفراط في الإقدام على المخاطر وتعالج بعض التحديات الأوسع، من قبيل توفير السيولة خارج نطاق النظام المصرفي (في هذه الأزمة لم يكن التدافع على سحب الودائع من البنوك بقدر ما كان على التمويل بالجملة من قبل المستثمرين العالميين).
إن الوقت يعتبر عاملاً جوهرياً في التوصل إلى اتفاقية عالمية خشية أن ينفد صبر أهل السياسة على المؤتمرات التي تعقدها الجهات التنظيمة، وأن ندخل في دائرة تتسم بالسياسات غير المنسقة التي تشوه التدفقات الرأسمالية، وكذلك الدخول في عمليات تحايل على الأنظمة. ومن جانبه، سيعمل صندوق النقد الدولي على تذليل الصعوبات النظامية والصعوبات الخاصة بالاقتصاد الكبير، التي تنطوي عليها إصلاحات القطاع المالي – وكذلك، إذا تطلب الأمر، سيقوم بتذليل الصعوبات التي يمكن أن تنجم عن عدم الاتفاق على حل مشترك.
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع حذف مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى