تجارة وأقتصاد: دول بريكس..نجوم برّاقة تفشل في تغيير العالم
زائر كتب "آلان بيتي ** إذا وضعت فهداً، ودباً، ونمراً، وباندا، معاً فربما يكون لديك عرض رائع، ولكنك لن تحظى بحياة هادئة. أصبح تجمع بريكس BRICs - البرازيل، وروسيا، والهند، والصين – يمثل اختصاراً لنهضة الأسواق الناشئة في الاقتصاد العالمي. وبعد عقد نجمي إلى حد ما، واجهت بلدان بريكس بشكل رئيسي أزمة جيدة، وهي تخرج منها الآن سريعاً. تعتقد «غولدمان ساكس
» Goldman Sachs المجموعة المالية التي اخترعت التصنيف، أن الصين ربما تصبح إلى حد كبير أكبر اقتصاد عالمي بشكل مطلق قبل عام 2030. وعلى نحو جماعي، يمكن إلى حد كبير أن يتجاوز إنتاج اقتصادات بريكس مثيله في مجموعة البلدان السبعة الثرية – التي هيمنت على إدارة الاقتصاد العالمي – وذلك بحلول عام 2032.
حصة بلدان بريكس من التجارة العالمية أكبر فعلياً من حصة الولايات المتحدة. واكتملت صادرات الصين، التي كانت على الأرجح أكبر مصدر للسلع في العام الماضي، بصادرات الهند من البرمجيات والدعم الخلفي للمكتب، وصادرات روسيا من النفط والغاز، وهيمنة عدد من أسواق السلع الزراعية من جانب مزارعي البرازيل فائقي التنافسية.
حدث ذلك، بينما كانت الأسهم في بلدان مجموعة السبعة تعمل جاهدة للبقاء في منطقة إيجابية خلال الأعوام الخمسة الماضية أو نحوها، إلا أن أسعار أسهم بلدان بريكس، على الرغم من حدوث انخفاض حاد، وتعافٍ سريع خلال الأزمة المالية العالمية، أنهت العقد بأعلى من ضعفي ارتفاعها في عام 2005. وبرزت مؤشرات أسهم بلدان بريكس، وانبثقت صناديق بلدان بريك بحثاً عن مستثمرين لكي يتراكموا في القطاع.
بناءً على ذلك، في الوقت الذي يخرج فيه العالم من الانكماش، فهل هذه لحظة تحولية حين يتحول مركز الجذب في الاقتصاد العالمي وإدارته بشكل حاسم؟ وهل هذه نقطة محورية مثل الحرب العالمية الثانية، حين أبعدت الولايات المتحدة الواثقة والمبتكرة اقتصادات أوروبا المستضعفة والمثقلة بالديون جانباً بالقوة، وأعادت تشكيل الهندسة المالية العالمية؟ الأمر الأكثر إلحاحاً، هل المستهلكون في بلدان بريكس بمقدورهم حالياً تولي مهمة إعادة توازن الاقتصاد العالمي بالحلول مكان نظرائهم الأمريكيين الماديين؟.
الجواب الأكثر احتمالاً هو: ليس بعد، فليس فقط أن بلدان بريكس مجموعة متباينة للغاية، بحيث أن أي تعميم تقريباً سوف يسبب مشكلة، وإنما يبدو كذلك أن الصين، العضو المهيمن بشكل ساحق بين تلك البلدان الأربعة، ما زالت مرتبطة بنموذج اقتصادي يعتمد على الطلب في أماكن أخرى.
قال جان- بيير ليمان، أستاذ الاقتصاد السياسي في كلية آي إم دي للإدارة في لوزان، سويسرا: ما يطلق عليها الاقتصادات الناشئة، وحتى بعضها مثل بنغلاديش، تعتبر لاعباً في الساحة العالمية دون أدنى شك. ولكنني شخصياً لا أرى محفزاً كبيراً خلال الأعوام العشرة المقبلة، ولا أن مركز التمويل يتنقل قطعياً نحو الشرق.
مثل صبي الفرقة، أو عصابة الشوارع، ربما أن اختيار بلدان بريكس تم بناءً على قدراتها المتباينة، وليس أوجه التشابه بينها. فحجم الصين وانفتاحها على التجارة، يعطيانها قوة اقتصادية تماثل إلى حد كبير قوة باقي البلدان معاً: يصف ماركوس جاغر، من بنك دوتشيه، البلد المصدر وشديد التنافسية في التصنيع «الباندا الذي يبلغ وزنه 800 رطل إنجليزي في الغرفة».
أما الهند المماثلة في عدد السكان، ولكن الأكثر فقراً ومحدودية على الصعيد الاقتصادي، فإنها معروفة بشكل رئيسي بالنسبة للمستثمرين والشركاء التجاريين بقطاع عمل برمجياتها وخدماتها. وتبقى البرازيل، على الرغم من وجود القدر الضئيل من شركات التصنيع الناجحة، أحد أكثر مصدري المنتجات الزراعية كفاءة في العالم، وأما روسيا بعد محاولات أضعف للتنويع، فإنها تبيع بشكل أساسي النفط والغاز فقط.
تبدو قصة التقدم السريع لهذه البلدان مألوفة، ولكنها دراماتيكية رغم ذلك. وقبل عقد مضى، كان بلد واحد منها فقط يملك تصنيفاً ائتمانياً استثمارياً، والآن جميعها تملك هذا التصنيف. وقبل 12 عاماً فقط، هز التخلف الروسي عن سداد الدين، وأزمة العملة البرازيلية اقتصاد العالم، وفي يومنا هذا، راكم البلدان احتياطيات كبيرة من العملات الأجنبية.
ساهمت بلدان بريكس بنحو نصف النمو العالمي بين عامي 2000 و 2008 ــ أعلى بشكل حاد من العقد السابق. وعلى الرغم منذ ذلك رافق هذا النمو اختلال كبير في الاقتصاد العالمي.
رافقت نموذج النمو الصيني الذي اعتمد على الاستثمارات والصادرات الهائلة، فوائض كبيرة في الحساب الجاري عبر شرق آسيا، قابله عجز في الحساب الجاري في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من قيامها بدورها لإبقاء النمو الاقتصادي مستمراً خلال الأزمة، فليس من الواضح إلى حد كبير ما إذا كانت المملكة الوسطى (الصين)، قد تحولت فعلياً باتجاه طلب المستهلك الذي يعتبر المحرك الفعلي لتحقيق النمو العالمي.
بازدهار كبير، أعلنت بكين حزمة تحفيز بمبلغ 585 مليار دولار (407 مليار يورو، 360 مليار جنيه إسترليني) في تشرين الثاني (نوفمبر) 2008، وخففت القيود على الائتمان البنكي. غير أن قدرتها على توليد النمو المستدام ذاتياً كانت موضع شك. وبدلاً من تسليم السيولة إلى المستهلكين لحثهم على الإنفاق – وهي خطوة كان من الممكن أن تشجع الواردات كذلك – ذهب قسم كبير من الحافز إلى الاستثمارات القديمة الثابتة المفضلة.
وقال جاغر: إذا لم يتعاف الطلب العالمي في الوقت المناسب، أو فشلت تدابير الحوافز في تحريك الأرواح الحيوانية (عبارة أطلقها كينز على الانفعالات والتأثيرات على السلوك الإنساني، وتقاس بمقياس ثقة المستهلك)، فربما ينتهي الأمر بالصين وهي تولد طاقة تشغيلية زائدة.
قال رازين سالي خبير التجارة في كلية لندن للاقتصاد: إن لتدخلات الصينيين تأثيراً في تعزيز المشاكل والاختلالات القائمة. وسوف نرى الكثير من الطاقة التشغيلية الفائضة في الصناعات الموجهة نحو التصدير، مثل الصلب، في الوقت الخاطئ تماماً.
إعادة ربط الرينمينبي بالدولار في عام 2008، بعد ثلاث سنوات من السماح له بالزحف إلى أعلى، لم تفعل شيئاً لتغيير الاقتصاد الصيني من الاعتماد على التصدير إلى الاعتماد على الطلب الاستهلاكي. وتضاعف تأثير ذلك القرار بإجراءات المحاكاة من جانب العديد من بلدان الأسواق الناشئة، التي أبقت قيمة عملاتها منخفضة كي لا تخسر قدرتها التنافسية مقابل الصين.
في واقع الأمر، على الرغم من أن الانخفاض في الطلب الاستهلاكي في شتى أرجاء العالم، عمل على تخفيض المستوى المطلق لفائض الحساب الجاري للصين خلال الأزمة، حيث كان هناك عدد أقل من السفن التي تحمل الألعاب وأجهزة الإيبود خارج شينزهن وشنغهاي، إلا أن الصين استمرت في اكتساب المزيد من حصة السوق في الخارج.
ويعتقد صندوق النقد الدولي وآخرون، أن إعادة توازن الاقتصاد العالمي الواضح خلال العام الماضي أمر مؤقت. وحين يزداد الطلب، سوف تزداد الصادرات الصينية كذلك، إلى جانب الفوائض والعجوزات القديمة.
على الرغم من جيوب التبذير، في كافة الأحوال، فإن الصين أصبحت اقتصاداً استهلاكياً على نحو أقل وليس أكثر في العقد الماضي. ونما معدل ادخاراتها الكلي خلال العقد. وعلى الرغم من أن جانباً كبيراً من هذه الزيادة عكس ادخار الشركات، إلا أن ادخارات الأسر ازدادت كذلك، وذهبت حصة أكبر من الدخل القومي إلى الشركات، وليس إلى المستهلكين في المقام الأول.
هناك استطلاع أجراه في العام الماضي معهد مكينزي العالمي دعم ما جادل بشأنه العديد من الاقتصاديين منذ فترة طويلة: إن غياب شبكة الأمان الاجتماعي هو أحد الأسباب الرئيسية التي لأجلها تدخر الأسر الصينية.
وكانت الأسباب الثلاثة الأهم هي: الاحتياجات التعليمية، التأمين في حالة المرض، ورعاية الوالدين. ولن يتم تغيير هذه العوامل الهيكلية المتجذرة عميقاً بشكل سريع، ولن يتم تحقيقها ببساطة برفع قيمة الرينمينبي.
أما بالنسبة لبلدان بريكس الأخرى التي يعتبر اتجاه معدل نموها أبطأ من معدل نمو الصين، فمن غير المحتمل أن يكون لها تأثير ملحوظ على الطلب العالمي لفترة من الوقت. وعلى الرغم من أن النمو في البرازيل والهند بقي مستمراً على نحو جيد خلال الأزمة، إلا أن اقتصاد البرازيل ناضج نسبياً، بنطاق أقل للنمو السريع، واقتصاد الهند متدني الأداء بوجود مشاكل التمويل العام المزمنة، ومعدل مدخرات الأسر فيها أعلى من الصين. وفي غضون ذلك، فإن روسيا التي تقلص اقتصادها بحدة خلال الانكماش العالمي، تظل معتمدة على أسعار النفط.
إن عقداً من النمو السريع ليس كافياً لبلدان بريكس لكي تمسك عصا قيادة الاقتصاد العالمي من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. فالتجمع، أو بعض من بلدانه، ربما أدهش العالم بتقدمه خلال الأعوام العشرة الماضية. ولكن الأمر سوف يقتضي تحسناً نوعياً، فضلاً عن المزيد من النمو، لتنسيق هذا التغير وترجمته إلى قوة."