تجارة وأقتصاد: اليابان ليست اليونان .. لكن ماليتها العامة مقلقة
زائر كتب "ميور ديكي ** في 1995، حين سئل ماسايوشي تاكيمورا، وزير المالية الياباني في ذلك الحين، عن مستوى الدين المعقول الذي يمكن أن تتحمله الدولة في اليابان، كان جوابه هو أن الدين «تجاوز بالفعل الحد المعقول». وقتها كان إجمالي الدين الحكومي يعادل فقط 86 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. هذا العام ستصل النسبة إلى حدود 200 في المائة من الناتج
حدِّث ولا حرج.لكن الذين يحذرون من النتائج الوخيمة المترتبة على الدين الحكومي في اليابان لم يتم إسكاتهم. الحساسية إزاء مخاطر السندات السيادية الأجنبية تعمقت بفعل متاعب اليونان، ويشير محللو السوق إلى أن هناك زاوية معينة إذا نظرنا منها، فإن أسس المالية العامة في اليابان تبدو أوهى حتى من أسس المالية العامة في اليونان. في مقال نشر في الفترة الأخيرة على موقع المستثمرين «البحث عن ألفا» Seeking Alpha قال الكاتب: «اليابان هي اليونان المقبلة».
لعل أفضل جواب على ذلك هو: «هذا أمر لا يحتمل حدوثه». ربما يكون عبء الدين الياباني أكبر حتى من عبء الدين اليوناني، لكنه أقل عرضة منه بكثير لضغوط المضاربين.
ما يؤكد ذلك هو أنه في حين أن تاكيمورا كان يشعر بالتوتر الشديد من أن تكاليف الدين الحكومي يمكن أن تقوض قدرة الدولة على تمويل برامج إنفاقها، فإن الإدارة اليابانية الغضة، بزعامة الحزب الديمقراطي، لا تعاني أية مشاكل في وضع الأساس لميزانية تجاوزت الأرقام القياسية، بقيمة بلغت 92 ألف مليار ين (1040 مليار دولار)، تشق طريقها الآن في أروقة المجلس التشريعي الياباني.
هذا الأسبوع كان المستثمرون أبعد ما يكونون عن الشعور بالرعب من الأشباح اليونانية، حتى أنهم تخاطفوا سندات طرحتها الحكومة لأجل عشر سنوات، رغم أن الفائدة عليها لم تكن تتجاوز 1.4 في المائة.
مع ذلك، ليس من الحكمة أن نستنتج أن اليابان تتمتع بوضع جيد لمجرد أنها لا تواجه انهياراً مفاجئاً على الطراز اليوناني. الاتجاهات العامة التي كانت تثير قلق تاكيمورا، إذا بقيت على حالها، تشير بالتأكيد إلى إمكانية حدوث كارثة. ما يثير القلق، مثلاً، أن قيمة إصدارات السندات الحكومية في السنة الماضية تجاوزت المقبوضات الضريبية للمرة الأولى منذ عام 1946.
المتفائلون يصرون على أن من الخطأ أن ينصرف تركيز المراقبين إلى الدين الإجمالي لليابان، على اعتبار أن الدولة (بالأرقام الصافية) مدينة فقط بما يعادل نسبة تزيد قليلاً على 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. لاحظ أن رقم الدين الصافي القليل هو علامة على الحقيقة التي تقول إن الدولة تمتلك ما يعادل مائة ألف مليار ين من احتياطي العملات الأجنبية، وأنها تتحمل قسماً كبيراً من دينها الخاص.
لكن من غير الواضح مقدار العون الذي يمكن الحصول عليه من الموجودات الأخرى المملوكة للدولة في حالة الضرورة القصوى. مثلا، صناديق التأمينات الاجتماعية تمتلك كمية تزيد على نحو لا بأس به عن ثلث إجمالي الموجودات، لكن الالتزامات المستقبلية لهذه الصناديق أكبر حتى من ذلك. والإغارة على أموال التقاعد يمكن أن تكون لها نتائج كارثية على ثقة الشعب بالحكومة.
وفي حين أن مقارنة صافي الديون بين الدول تضع عبء الدولة اليابانية في مستوى العبء الذي تتحمله إيطاليا، إلا أن خط الاتجاهات العامة اليابانية، الذي يتسم بالنمو السريع، أكثر مدعاة للقلق.
فاليابان قادرة على الأقل، على خلاف اليونان، على الاعتماد على الجهات المحلية من حيث شراء سنداتها. ومن الأمور الأساسية اللازمة لفهم السبب وراء هبوط العائد على السندات الحكومية اليابانية، حتى في الوقت الذي انتفخت فيه كميات السندات، هو أن هناك مجموعة هائلة من المدخرات المحلية والمستثمرين المؤسسيين اليابانيين الذين يتمتعون برباطة الجأش والهدوء. لكن الطلب المستقبلي ليس مضموناً على أي نحو يذكر.
في بحث من إصدار صندوق النقد الدولي نُشِر في كانون الثاني (يناير)، كتب كييتشي تُوكوُوكا: «من المرجح أن تتناقص قدرة السوق على امتصاص السندات، على اعتبار أن ارتفاع نسبة كبار السن بين السكان ستقلص تدفق المدخرات، والإصلاحات المالية تعزز من الشهية للمخاطرة».
وفي تحليل نشر في الفترة الأخيرة في «فاينانشيال تايمز»، تبين أن حصة دين الدولة الذي يقع على عاتق المؤسسات المالية التابعة للنظام البريدي وصلت إلى الذروة في 2008، وهي في حالة هبوط منذ ذلك الحين. استجابة لذلك يشير المتفائلون إلى أن طوكيو أمامها مجال واسع يتيح لها تحقيق الدخل، وذلك بالنظر إلى أن مقبوضاتها الضريبية في الوقت الحاضر أقل من الدخل الضريبي للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
لكن قدرة الحكومة على تحقيق ذلك هي بالتأكيد موضع تساؤل. الانتخابات التاريخية في السنة الماضية أدت إلى ذهاب حكومة ظلت تؤجل فرض زيادة مقترحة نسبتها 5 في المائة على ضريبة الاستهلاك، وأحلت محلها حكومة استبعدت تماماً فرض هذه الزيادة حتى عام 2013، على الأقل.
وزير المالية الياباني، ناووتو كان Naoto Kan تعرض أخيرا إلى عاصفة سياسية لمجرد أنه طالب بعدم التأخير في نقاش الموضوع. ولأن التعافي لا يزال يعتمد على إنفاق الدولة، فإن كان وزملاؤه يحاولون الآن إعداد خطة للاستدامة في المالية العامة، يتم تطبيقها حين يشتد ساعد النمو الاقتصادي ـ وطمأنة الأسواق إلى حين ذلك.
لكن مجرد الوعد بالسيطرة على نمو دين الدولة ليس كافياً. في مرحلة معينة سيتعين على طوكيو أن تفعل ذلك. ربما كان تاكامورو مخطئاً بشأن الحدود التي تبدأ عندها منطقة الخطر في الدين الحكومي الياباني. لكن بالضبط لأننا لا نعلم ما هي الحدود الفاصلة، فإن هذا لا يعني أنه لا توجد حدود فاصلة."