بنوك: الثلاثة الكبار مهددون بفقدان وضع الملاذ الآمن
زائر كتب "روبرت باركر ** منذ أواخر نيسان (أبريل) أقدم المستثمرون، حسب معظم الدراسات، على بناء مراكز رئيسية في أسواق المال. وكما انعكس في مستويات العائد المتدنية حاليا، قاموا ببناء مراكز دائنة مهمة في سندات الخزانة الأمريكية والسندات الألمانية. وكان هذا الهروب إلى السلامة مدفوعاً في نيسان (أبريل) وأيار (مايو) بمخاوف تتعلق بخطر سيادي
وبنكي في منطقة اليورو، ومنذ عهد أقرب، بتوقعات متزايدة بحدوث تباطؤ في الاقتصاد الأمريكي.
لقد اتبع سلوك المستثمرين في الأشهر الثلاثة الماضية نمطاً أنموذجياً يهدف إلى تقليل الخطر، إذ تدفقت رؤوس الأموال إلى ما يعتبر الأصول الأكثر أماناً ـــ كالسندات الحكومية لمجموعة الثلاثة الكبار. لكن السؤال المطروح في هذا الشأن هو ما إذا كان من المحتمل أن يتغير مفهوم السلامة هذا وما إذا كانت تدفقات رؤوس الأموال ستأخذ وجهة مختلفة في الأزمنة المستقبلية التي تتسم بإجهاد الأسواق والإجهاد الاقتصادي.
في الولايات المتحدة، أظهرت بيانات أخيرة أن هناك تراجعاً واضحاً في الطلب والنشاط، مع بيانات ضعيفة بشكل خاص من قطاع الإسكان، بينما تباطأ الإنفاق الاستهلاكي على خلفية سوء الأحوال النقدية والائتمانية.
وتأكد هذا التوجه عبر خفض بنك الاحتياطي الفيدرالي توقعاته بشأن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي. وبينما يظل احتمال حدوث ركود جديد منخفضاً، يوحي عدد من العوامل أن احتمالات النمو في المدى المتوسط بالنسبة إلى الولايات المتحدة أقل إيجابية. وتتمثل عوامل الضغط الرئيسية في ضعف آفاق الاستهلاك على افتراض أنه ستتم إعادة بناء المدخرات الأمريكية، وفي رداءة سوق العمل مع بقاء البطالة فوق اتجاهها التاريخي، وفي تدني مستوى المديونية في النظام المصرفي، الأمر الذي يقيد التوسع الائتماني ويجعل من غير المحتمل حدوث أي تعاف في المدى القريب في سوق الإسكان. وتتمثل القضية المركزية في طول فترة تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الولايات المتحدة.
وأحد الاستنتاجات الواضحة، كما يُستدل من بيانات السياسة الأمريكية في الاجتماع الأخير لمجموعة العشرين، هو أن الإدارة الأمريكية ستتحرك ببطء لتشديد السياسة المالية بينما تظل السياسة النقدية متساهلة. وحتى الآن في هذه السنة التقويمية، يبلغ المعدل السنوي المعلن للعجز في ميزانية وزارة الخزانة الأمريكية 1300 مليار دولار أمريكي. وسيتجاوز الدين الإجمالي للحكومة الأمريكية إلى الناتج المحلي الإجمالي نسبة 100 في المائة في المدى القصير، ويمكن أن يصل إجمالي الدين الأمريكي بناء على البيانات الصادرة عن مكتب الإدارة والميزانية إلى 18 تريليون دولار بحلول عام 2020. ومن المرجح أنه تزيد دفعات الفائدة الصافية إلى الإيرادات الإجمالية على 15 في المائة بحلول عام 2013.
إضافة إلى ذلك، يمكن أن تتجاوز العجوزات في ميزانيات الولايات 140 مليار دولار في العام الحالي وستجد الولايات والبلدان صعوبة بالغة في توسعة الإيرادات وسط ارتفاع معدلات البطالة ورداءة أحوال القطاع العقاري. ومن الواضح أن حالات عجز الحكومات المحلية عن سداد ديونها وعمليات هيكلة الديون ستزداد في الأجل القريب. وتجدر هنا ملاحظة اتساع فروقات الفوائد في سوق السندات البلدية. وستظهر الولايات المتحدة علامات أقل على أنها ملاذ آمن في المستقبل، ولا سيما إذا لم يتم تحقيق تقدم في معالجة عجز ميزانية الولايات المتحدة، وإذا ظهر نزوع جديد إلى ضعف الدولار. وبدأت أوروبا واليابان أيضاً فقدان خصائص الملاذ الآمن. ورغم أن منطقة اليورو اتخذت إجراءً قوياً على صعيد كبح العجوزات المالية وأن مخاوف المستثمرين من المخاطر المصرفية ينبغي أن تهدأ إذا تم التعامل مع اختبارات الإجهاد بصورة مهنية، تظل هناك مشاكل كبيرة في الأجل الطويل. وكما في الولايات المتحدة، فإن تحلل البنوك من المديونية يؤدي إلى تردي أحوال الائتمان. وفي كثير من اقتصادات منطقة اليورو، يؤدي عدم القيام بإصلاح سوق العمل إلى زيادة مستويات البطالة، الأمر الذي يقيد الإيرادات المالية. وتشير معظم النماذج إلى وجود اختلافات رئيسية في القدرة التنافسية داخل منطقة اليورو، الأمر الذي يقتضي إجراء تخفيض في تكاليف وحدة العمل في كثير من البلدان.
وفي ضوء الحاجة إلى إعادة هيكلة مالية، من المرجح أن تمر بلدان منطقة اليورو بفترة طويلة من شبه الركود. لقد كانت الصادرات هي الدافع للاقتصاد الألماني، لكن آفاق الصادرات يمكن أن تتردى إذا زادت قوة اليورو وإذا ضعف الطلب في البلدان الأوروبية الأخرى.
وفي اليابان، بينما يمكن أن يصل النمو هذا العام، مدفوعاً بالصادرات، إلى 3 في المائة، فإن كثيرا من الأمور الهيكلية بدأت تزداد خطورة. ويعتبر الميزان الرئيسي الحكومي الذي يتم تعديله بصورة دورية الأسوأ بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بين البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وسيصل الدين الحكومي الإجمالي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نسبة 200 في المائة في الأجل القريب. ورغم صدور عدد من البيانات عن الحكومة اليابانية تقول بضرورة معالجة الوضع المالي، لم يكن هناك إلا قليل من العمل القوي على هذا الصعيد.
وزيادة على ذلك، يمكن أن يجد سكان اليابان الذين تتقادم بهم السن صعوبة بالغة في المحافظة على معدلات الادخار الحالية، الأمر الذي يوحي بأن تمويل الميزانية اليابانية سيكون معتمداً على المستثمرين الأجانب. وإذا تحول الانكماش في اليابان إلى تضخم ـــ ولو متواضع ـــ فيمكن أن يزيد المدخرون اليابانيون استثمارهم الأجنبي. في المقابل، يتميز معظم الاقتصادات الناشئة بمعدلات ادخار عالية، وبقوة مراكز الميزانية التي يدعمها نمو الإيرادات وارتفاع مستويات احتياطياتها من العملات الأجنبية، رغم اعتدال مؤشرات الحالة المعنوية أخيرا، وارتفاع مستويات نمو الناتج المحلي الإجمال الحقيقي. وبحلول عام 2014، سوف يقترب الدين الحكومي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي بين الاقتصادات المتقدمة في مجموعة العشرين من 120 في المائة، علماً أن الرقم الموازي الخاص بالاقتصادات الناشئة في مجموعة العشرين سوف يكون أقل من 40 في المائة.
إن الخصائص الرئيسية للملاذ الآمن في أوقات إجهاد الأسواق هي تدني خطر العجز عن السداد وتدني خطر الأسواق وخطر خفض التصنيف الائتماني للبلد. وفي المدى المتوسط، ستتراجع خصائص الملاذ الآمن بالنسبة إلى مجموعة الثلاثة الكبار، في حين تتحسن هذه الخصائص بالنسبة إلى الاقتصادات الناشئة. ومن المرجح أن تتغير ردة الفعل التقليدية للمستثمرين على إجهاد السوق بشكل كبير.