زائر كتب "كينيث روجوف ** بعدما أصبح من الواضح بشكل متزايد أن التعافي سيبقى متراجعاً في أوروبا والولايات المتحدة، ارتفعت أصوات متنامية تدعو إلى المحافظة على حافز مالي قوي في فترة ما بعد الأزمة، ولأجل غير محدد. ويتم اتهام الحكومات التي تقترح بدلاً من ذلك تخفيف العجوزات تدريجياً وجعل الديون مستقرة في النهاية عند مستويات الدخل ـــ مثل ألمانيا
والمملكة المتحدة ـــ بتبني المبدأ المالي المحافظ بعناد. وقيل لنا لو أن لديها فهماً أفضل للحقائق الكينزية البدهية، سيدرك زعماء هذه البلدان أن فقر بلادهم يهدد بإلقاء الاقتصادات الضعيفة فعلياً في خضم انكماشات تتخللها حالات انتعاش قصيرة الأجل، أو حتى كساد مستدام. مما لا شك فيه أن هناك عدم يقين هائلاً يحوم فوق الاقتصاد العالمي، لكن هل الحجة ضد المبدأ المالي المحافظ المنطقي مقنعة للغاية؟ شخصياً لا أرى ذلك. فمن الناحية الأولى، نعم، من المحتمل أن يبقى نمو الإنتاج فاتراً مقارنة بالتعافي الطبيعي في فترة ما بعد الانكماش. وكما أكدنا، كارمن رينهارت وأنا شخصياً، في بحث أجريناه، فإن النمو الضعيف الذي يرافقه معدل بطالة عالٍ ومستدام يعدُّ أنموذجيا لمسار التعافي في فترات ما بعد الأزمة المالية. وبالتأكيد، من غير المحتمل أن تختفي مشاكل الديون السيادية والمصرفية في أوروبا خلال فترة وجيزة. لكن مشاكل الديون السيادية تمثل صدمة لاحقة أنموذجية لأي موجة من الأزمات المالية الدولية. وبغض النظر عن القلق الذي يحدثه التقاطع الحالي، إلا أن عودة مسار الأزمة إلى وضعه الطبيعي حتى هذا التاريخ بالكاد يشير إلى الحاجة إلى وجود رد مالي مذعور.
في واقع الأمر، من الغباء تجاهل المخاطر طويلة الأجل لتراكم الديون القياسي فعلياً في أوقات السلم. وحتى إذا كان حدوث أزمات ديون على الطراز اليوناني أمراً غير محتمل، إلا أن عبء الديون سوف يلقي بثقله في نهاية المطاف على النمو بسبب التعديلات المالية الحتمية. وبالكاد يمكن تفسير حقيقة أن الأسواق لا يمكنها على الإطلاق أن تفرض تعديلات على أكثر الاقتصادات تقدماً، بأنها دليل على أن الديون المتزايدة غير محفوفة بالمخاطر. وفعلياً، يشير الدليل عموماً إلى أن استجابة أسعار الفائدة للديون ليست استجابة متسقة بدرجة عالية. وبالتالي، بإمكان بيئة سوقية حميدة كما هو واضح، أن تصبح كئيبة فجأة تماماً حين يقترب البلد من أعلى سقف لديونه. ومن المحتمل أن تواجه حتى الولايات المتحدة تعديلاً مالياً مفاجئاً نسبياً في مرحلة ما، إذا لم تنظم بيتها المالي. ويصور البعض اليابان، التي تبلغ فيها نسبة الديون الحكومية إلى الدخل قرابة 200 في المائة، كطفل بالتبني للبلدان المدينة للغاية، ولديها أسعار فائدة متدنية. و نجاح اليابان له علاقة بطبيعة الحال، بقدرة حكومتها على بيع الديون محلياً. وبالنسبة للطريقة التي ستعالج البلاد بها مصادر التمويل الخاصة، في الوقت الذي تتقلص فيه مدخرات المتقاعدين وتتقلص كذلك قوتها العاملة سريعاً، علينا أن ننتظر ونرى ما يحدث. بالمثل، حقيقة أن ديون ما بعد الحرب في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تجاوزت 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ـــ وهو مستوى تجد رينهارت، وأنا شخصياً، أنه أعلى من العتبة التي يمكن أن يتأثر النمو عندها ـــ بالكاد تمثل دليلاً على عدم ضرورة القلق بشأن انفجار الديون في وقت السلم. وبعد حدوث حرب، فإن التخفيض الطبيعي في النفقات العسكرية، إلى جانب ارتفاع معدل دخول الجنود السابقين في قوة العمل، تسهل كثيراً تخفيض نسب الدين ـــ إلى ـــ الإنتاج، مقارنة بنوع الزيادة في الديون في وقت السلم التي نشهدها الآن. ولا يمكن صرف النظر باستخفاف عن مخاطر ارتفاع الديون، رغم أنها بعيدة كما هو واضح. في الوقت ذاته، منافع حوافز العجوزات المالية الضخمة ليست مؤكدة تقريباً، إذ تستمر العوامل المؤيدة لارتفاع جديد. كما أن الدليل الأكاديمي على تأثيرات النمو الكينزية للعجوزات المالية غير حاسم تماماً. والمفارقة أن كثيرا من القناعات الناشئة حديثا تأتي من المنهج التجريبي العادي لتأثيرات النمو الناتج عن الخفيضات الضريبية التي أقرها بوش. وفي واقع الأمر، يستغرق الأمر عدة سنوات، وربما عقود ليعرف الباحثون تأثيرات الحافز المالي الكبير الذي عملت به كثير من البلدان خلال هذه الأزمة. وأعتقد أن العملاء سوف يقررون في نهاية المطاف أن السياسة المالية كانت أقل أهمية بكثير من السياسة النقدية والتدابير لجعل النظام المصرفي مستقراً. كان الحافز المالي القوي أثناء تصاعد الأزمة المالية منطقياً كجزء من المعركة الكاملة لتفادي الانزلاق نحو الكساد. وكانت مخاطر حدوث كساد عظيم ثانٍ أمراً منطقياً تماماً، وكانت التكلفة الهائلة للتأمين تستحق ذلك بشكل مثير للجدل. أما اليوم، فقد تراجع الذعر، والمطلوب هو تحليل أكثر اتزاناً للتكاليف ـــ والمزايا. بالأهمية ذاتها، على الأرجح أن تواجه الحكومات التي تؤكد على استدامة مالية طويلة الأجل أوقاتاً أسهل في حثها لبنوكها المركزية كي تحافظ على ظروف نقدية داعمة بدرجة عالية. ولأننا نعرف أن الحكومات جادة بشأن استقرار مستويات الدين، فمن شأن ذلك أن يجعل الأمر أكثر سهولة لمعظم البنوك المركزية لتقليل تدابير الأزمة المستمرة، كما أعلن بصراحة تامة بعض محافظي البنوك المركزية (في المملكة المتحدة على وجه الخصوص). وبخلاف ذلك، بطبيعة الحال، سيقلقون بحق، بشأن دخولهم في مصادر تمويل تضخمية لعجوزات غير مسيطر عليها. وإذا كان هناك تهديد فعلي بحدوث انكماش يتخلله انتعاش قصير، فعندئذ تبقى السياسة النقدية، بما فيها التدابير القوية لمحاربة الانكماش، خط الدفاع الأول الأكثر موثوقية حتى الآن. لسوء الحظ، سيواجه قسم كبير من العالم كثيرا من عدم اليقين بشأن الاقتصاد الكلي لعدة سنوات مقبلة. فهناك عدم يقين بشأن التنظيم، والديون السيادية، وحالة أنظمتنا المصرفية، والصحية، فضلاً عن الانهيار السياسي بسبب الأزمة المالية. وفي هذه البيئة، فإن التدابير لجعل عبء الديون مستقراً تدريجياً ـــ استعادة الوضع الطبيعي ـــ تبدو منطقية دون أدنى شك. وإذا أصبحت الأمور سيئة بصورة جذرية ولفترة طويلة، عندئذ نعم، دون أدنى شك، هناك ضرورة لمزيد من العمل. لكن حتى ذلك الحين، الأكثر احتمالاً هو أن تزعزع زيادة مالية حكومية مذعورة التعافي الوليد، عوضا عن أن ترعاه.
الكاتب أستاذ اقتصاد في جامعة هارفارد، ومؤلف مشارك مع كارمن رينهارت لكتاب الأمر مختلف هذه المرة: ثمانية قرون من الغباء المالي This Time is Different: Eight Centuries of Financial Folly"